عصمه الله، وحاشا له أن يشرك بالله، وهو الذي جاء لإِقامة صرح الإِيمان والتوحيد، قال أبو السعود: والكلام واردٌ على طريقة الفرض لتهييج الرسل، وإِقناط الكفرة، والإِيذان بغاية شناعة الإِشراك وقبحه ﴿بَلْ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾ أي أخلص العبادة لله وحده، ولا تعبد أحداً سواه. ﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ أي وكن من الشاكرين لإِنعام ربك ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي وما عرفوا الله حق معرفته، ولا عظموه حق تعظيمه، قال أبو حيان: أي ما عظموه حق تعظيمه، وما قدروه في أنفسهم حق تقديره، إذ أشركوا معه غيره، وساووا بينه وبين الحجر والخشب في العبادة .. ثم نبههم على عظمته وجلالة شأنه فقال ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الجملة حالية والمعنى ما عظَّموه حقَّ تعظيمه والحال أنه موصوف بهذه القدرة الباهرة، التي هي غاية العظمة والجلال. فالأرضُ مع سعتها وبسطتها يوم القيامة تحت قبضته وسلطانه ﴿وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ أي والسماوات مضمومات ومجموعات بقدرته تعالى قال الزمخشري: والغرض من هذا الكلام تصوير عظمته والتوقيف على كنه جلاله لا غير، من غير ذهاب بالقبضة واليمين إلى جهة وفي الحديث: " يقبض الله تعالى الأرض ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟ " ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكونَ﴾ أي تنزَّه الله وتقدس عما يصفه به المشركون من صفاتِ العجز والنقص.
نفختا الصور وأهوال الآخرة
﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (68) وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (69) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (70)﴾
ثم ذكر تعالى أهوال الآخرة فقال ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ هو قرنٌ ينفخ فيه إِسرافيل عليه السلام بأمر الله، والمراد بالنفخة هنا "نفخة الصَّعق" التي تكون بعد نفخة الفزع، قال ابن كثير: وهي النفخة الثانية التي يموت بها الأحياء من أهل السماواتِ والأرض ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ أي فخَّر ميتاً كل من في السماوات والأرض ﴿إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ أي إلاَّ من شاء الله بقاءه كحملة العرش، والحور العين والولدان ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾ أي نُفخ فيه نفخةٌ أخرى وهي نفخةُ الإِحياء ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ أي فإِذا جميع الخلائق الأموات يقومون من القبور ينظرون ماذا يؤُمرون ﴿وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ أي وأضاءت أرض المحشر بنور الله يوم القيامة، حين تجلى الباري جل وعلا لفصل القضاء بين العباد ﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ﴾ أي أحضرت صحائف أعمال الخلائق للحساب ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ أي وجيء بالأنبياء ليسألهم رب العزة عما أجابتهم به أممهم وبالشهداء وهم الحفظة الذين يشهدون على الناس بأعمالهم، وقال السدي: هم الذين استشهدوا في سبيل الله ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ أي وقُضي بين العباد جميعاً بالقسط والعدل ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ أي وهم في الآخرة لا يظلمون شيئاً من أعمالهم، لا بنقص ثواب، ولا بزيادة عقاب، قال ابن جبير: لا يُنقص من حسناتهم ولا يزاد على سيئاتهم ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾ أي جوزي كل إنسانٍ بما عمل من خيرٍ أو شر {وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا