تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إِنما هو الغناء، وقال الحسن البصري: نزلت هذه الآية في الغناء والمزامير ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي ليُضل الناس عن طريق الهدى، ويُبعدهم عن دينه القويم، بغير حجة ولا برهان ﴿وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا﴾ أي ويتخذ ءايات الكتاب المجيد سخرية واستهزاءً، وهذا أدْخَلُ في القبح، وأعْرَقُ في الضلال ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ أي لهم عذاب شديد مع الذلة والهوان ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ ءاياتُنَا﴾ أي وإِذا قرئت عليه ءايات القرآن ﴿وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا﴾ أي أعرض وأدبر متكبراً عنها كأنه لم يسمعها، شأن المتكبر الذي لا يلتفت إلى الكلام، ويجعل نفسه كأنها غافلة ﴿كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾ أي كأن في أذنيه ثقلاً وصمماً يمنعانه عن استماع ءايات الله ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي أنذره يا محمد بعذاب مؤلمٍ، مفرطٍ في الشدة والإِيلام، ووضْع البشارة مكان الإِنذار تهكم وسخرية، قال أبو حيّان: تضمنت هذه الآية ذمَّ المشتري من وجوه: التولية عن الحكمة، ثم الاستكبار عن الحق، ثم عدم الالتفات إلى سماع الآيات، ثم الإِيغال في الإِعراض مشبهاً حال من لم يسمعها، لكونه لا يلقي لها بالاً ولا يلتفت إِليها، ثم التهكم به بالبشارة بأشد العذاب .. ولما ذكر ما وعد به الكفار من العذاب الأليم، ذكر ما وعد به المؤمنين من جنات النعيم فقال ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي جمعوا بين الإِيمان والعمل الصالح، وبين حسن النيّة وإِخلاص العمل ﴿لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾ أي لهم على إِيمانهم واستقامتهم على شريعة الله جناتُ الخلد يتنعمون فيها بأنواع الملاذّ، من المآكل والمشارب والملابس، والنساء والحور العين، وسائر ما أكرمهم الله به من الفضل والإِنعام، مما لا عينٌ رأتْ ولا أُذُنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي دائمين في تلك الجنات، لا يخرجون منها أبداً، ولا يبغون عنها حولاً ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ أي وعداً من الله قاطعاً، كائناً لا محالة، لا خلف فيه لأن الله لا يخلف الميعاد ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي هو تعالى العزيز الذي لا يغلبه شيء ليمنعه عن إِنجاز وعده، الحكيم الذي لا يفعل إِلا ما تقتضيه الحكمة والمصلحة.

خلق السماوات والأرض دليل على وحدانية الله

﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (10) هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلْ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (11)﴾.

ثم نبّه تعالى إِلى دلائل قدرته، وآثار عظمته وجلاله لإِقامة البراهين على وحدانيته فقال ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ أي خلق السماوات في سعتها وعظمتها وإِحكامها بدون دعائم ترتكز عليها، حال كونكم تشاهدونها كذلك واقفة من غير أن تستند على شيء، ولا تمسكها إِلا قدرة الله العليّ الكبير ﴿وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ أي جعل فيها جبالاً ثوابت لئلا تتحرك وتضطرب بكم فتهلككم بأن تقلبكم عن ظهرها، أو تهدم بيوتكم بتزلزلها، قال الإِمام الفخر الرازي: واعلم أن الأرض ثباتُها بسبب ثقلها، وإِلا كانت تزول عن موضعها بسبب المياه والرياح، ولو خلقها تعالى مثل الرمل لما كانت تثبتُ للزراعة، كما نرى الأراضي الرملية ينتقل الرمل الذي فيها من موضع إلى موضع، فهذه هي حكمة إِرسائها بالجبال، فسبحان الكبير المتعال ﴿وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ أي ونشر وفرَّق في أرجاء الأرض من كل

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٥٨٦٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٥٨٦٨