تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يؤلفوا منها كتاباً مثل هذا الكتاب بعد التحدي والإِفحام، وهذا من أظهر الدلائل وأوضح البراهين على أنه تنزيل الحكيم العليم ﴿تِلْكَ ءاياتُ الْكِتَابِ﴾ أي هذه ءايات الكتاب البديع، الذي فاق كل كتاب في بيانه، وتشريعه، وأحكامه ﴿الْحَكِيمِ﴾ أي ذي الحكمة الفائقة، والعجائب الرائقة، الناطق بالحكمة والبيان، والإِشارة بالبعيد عن القريب "تلك" للإِيذان ببعد منزلته في الفضل والشرف ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ أي هداية ورحمة للمحسنين الذين أحسنوا العمل في الدنيا، وإِنما خُصوا بالذكر لأنهم هم المنتفعون بما فيه، ثم وضح تعالى صفاتهم فقال ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ أي يؤدونها على الوجة الأكمل بأركانها وخشوعها وآدابها ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ أي يدفعونها إلى مستحقيها طيبةً بها نفوسهم ابتغاء مرضاة الله ﴿وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ أي يصدّقون بالدار الآخرة ويعتقدون بها اعتقاداً جازماً لا يخالطه شك ولا ارتياب، وكرَّر الضمير "هم" للتأكيد وإِفادة الحصر ﴿أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي أولئك الموصوفون بتلك الصفات الجليلة على نور وبصيرة، ومنهج واضح سديد، من الله العزيز الحميد ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي هم الفائزون السعداء في الدنيا والآخرة، قال أبو حيان: وكرر الإِشارة ﴿وَأُوْلَئِكَ﴾ تنبيهاً على عظم قدرهم وفضلهم.

حال الكفار المعرضين عن القرآن وبمقابلتهم المؤمنين

﴿وَمنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (6) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ ءاياتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (7) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (8) خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9)﴾.

سبب النزول:

نزول الآية (6):

أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ قال: نزلت في رجل من قريش اشترى جارية مغنية. وأخرج جويبر عن ابن عباس قال: نزلت في النضر بن الحارث اشترى قَيْنة (مغنية) وكان لا يسمع بأحد يريد الإسلام، إلا انطلق به إلى قينته، فيقول: أطعميه واسقيه وغنيه، هذا خير مما يدعوك إليه مُحمَّد من الصلاة والصيام، وأن تقاتل بين يديه، فنزلت.

وقال مقاتل: نزلت في النضر بن الحارث، كان يخرج تاجراً إلى فارس، فيشتري كتب الأعاجم، فيرويها ويحدِّث بها قريشاً، ويقول لهم: إن محمداً صلى الله عليه وسلم يحدثكم حديث عاد وثمود، وأنا أحدثكم حديث رُسْتُم واسِفنْديار، وأخبار الأكاسرة، فيستملحون حديثه، ويتركون سماع القرآن.

ولما ذكر تعالى حال السعداء، الذين اهتدوا بكتاب الله وانتفعوا بسماعه، عطف عليهم بذكر حال الأشقياء، الذي أعرضوا عن الانتفاع بسماع كلام الله، وأقبلوا على استماع الغناء والمزامير فقال ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ أي ومن الناس من يشتري ما يُلهي عن طاعة الله، ويَصُد عن سبيله، مما لا خير ولا فائدة فيه، قال الزمخشري: واللهو كل باطلٍ ألهى عن الخير، نحو السمر بالأساطير، والتحدث بالخرافات المضحكة، وفضول الكلام وما لا ينبغي، وروى ابن جرير عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه سئل عن الآية فقال: والله الذي لا إِله إِلا هو -يكررها ثلاثاً-

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٥٨٦٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٥٨٦٧