وارتدوا عن الإِسلام تخلصاً من عذاب الدنيا، كأن عذاب الآخرة أهون من عذاب الدنيا ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ .. ﴾ الآيات.
* وتمضي السورة تتحدث عن "محنة الأنبياء" وما لاقوه من شدائد وأهوال في سبيل تبليغ رسالة الله، بدءاً بقصة نوح، ثم إِبراهيم، ثم لوط، ثم شعيب، وتتحدث عن بعض الأمم الطغاة والأفراد المتجبرين كعاد، وثمود، وقارون، وهامان وغيرهم وتذكر ما حلَّ بهم من الهلاك والدمار ﴿فَكُلاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾ الآيات.
* وفي قصص الأنبياء دروسٌ من المحن والابتلاء، تتمثل في ضخامة الجهد وضآلة الحصيلة، فهذا نوح عليه السلام يمكث في قومه تسعمائة وخمسين سنة يدعوهم إلى الله فما يؤمن معه إلا قليل ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمْ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ وهذا أبو الأنبياء إِبراهيم الخليل يحاول هداية قومه بكل وسيلة، ويجادلهم بالحجة والبرهان فما تكون النتيجة إِلا العلو والطغيان ﴿قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنجَاهُ اللَّهُ مِنْ النَّارِ .. ﴾ الآيات.
* وفي قصة لوط يظهر التبجح بالرذيلة دون خجل أو حياء ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ الآيات وبعد ذلك الاستعراض السريع لمحنة الأنبياء، تمضي السورة الكريمة تبيّن صدق رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فهو رجل أميٌّ لم يقرأ ولم يكتب ثم جاءهم بهذا الكتاب المعجز، وهذا من أعظم البراهين على أنه كلام رب العالمين ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ وتنتقل السورة للحديث عن الأدلة والبراهين على القدرة والوحدانية منبثقة من هذا الكون الفسيح، ثم تختم ببيان جزاء الذين صبروا أمام المحن والشدائد وجاهدوا بأنواع الجهاد النفسي والمالي، ووقفوا في وجه المحنة والابتلاء ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
التسِميَة:
سميت "سورة العنكبوت" لأن الله ضرب العنكبوت فيها مثلاً للأصنام المنحوتة، والآلهة المزعومة ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا .. ﴾ الآيات.
اختبار الناس وجزاؤهم
﴿الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا ءامَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ (4) مَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (5) وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (6) وَالَّذِينَ ءامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (7)﴾
سبب النزول:
نزول الآية (1 - 7):
روي أنها نزلت في ناس من الصحابة جزعوا من أذى المشركين، وقيل: في عمار، وقد عذب في الله، فقد أخرج ابن سعد عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: نزلت في عمار بن ياسر إذ كان يعذب في الله: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ﴾ الآية.