أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (15) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (16)}.
ثم ذكر الله تعالى الأدلة والبراهين على قدرته ووحدانيته فقال ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ اللام جواب قسم أي والله لقد خلقنا جنس الإِنسان من صفوة وخلاصة استلت من الطين قال ابن عباس: هو آدم لأنه انسلَّ من الطين ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً﴾ أي ثم جعلنا ذرية آدم وبنيه منيّاً ينطف من أصلاب الرجال ﴿فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ أي في مستقرٍ متمكن هو الرحم ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ أي ثم صيرَّنا هذه النطفة - وهي الماء الدافق - دماً جامداً يشبه العلقة ﴿فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ أي جعلنا ذلك الدم الجامد مضغة أي قطعة لحم لا شكل فيها ولا تخطيط ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ أي صيَّرنا قطعة اللحم عظاماً صلبة لتكون عموداً للبدن ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ أي سترنا العظام باللحم وجعلناه كالكسوة لها ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ أي ثم بعد تلك الأطوار نفخنا فيه الروح فصيرناه خلقاً آخر في أحسن تقويم قال الرازي: أي جعلناه خلقاً مبايناً للخلق الأول حيث صار إِنساناً وكان جماداً، وناطقاً وكان أبكم، وسميعاً وكان أصم، وبصيراً وكان أكمه، وأودع كل عضو من أعضائه عجائب فطرة، وغرائب حكمة لا يحيط بها وصف الواصفين ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ أي فتعالى الله في قدرته وحكمته أحسن الصانعين صنعاً ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ أي ثم إِنكم أيها الناس بعد تلك النشأة والحياة لصائرون إلى الموت ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ أي تبعثون من قبوركم للحساب والمجازاة.
خلق السماوات وإنزال الأمطار وتسخير الأنعام
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (17) وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (18) فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (19) وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ (20) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (21) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (22)﴾.
ولما ذكر تعالى الأطوار في خلق الإِنسان وبدايته ونهايته ذكر خلق السماوات والأرض وكلها أدلة ساطعة على وجود الله فقال ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ﴾ أي والله لقد خلقنا فوقكم سبع سموات، سميت طرائق لأن بعضها فوق بعض ﴿وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾ أي وما كنا مهملين أمر الخلق بل نحفظهم وندبر أمرهم ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ﴾ أي أنزلنا من السحاب القطر والمطر بحسب الحاجة، لا كثيراً فيفسد الأرض، ولا قليلاً فلا يكفي الزروع والثمار ﴿فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾ أي جعلناه ثابتاً مستقراً في الأرض لتنتفعوا به وقت الحاجة ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ وعيدٌ وتهديدٌ أي ونحن قادرون على إِذهابه بالتغوير في الأرض فتهلكون عطشاً أنتم ومواشيكم قال ابن كثير: لو شئنا لجعلناه إِذا نزل يغور في الأرض إِلى مدى لا تصلون إِليه ولا تنتفعون به لفعلنا، ولكن بلطفه تعالى ورحمته ينزل عليكم المطر من السحاب عذباً فراتاً، فيسكنه في الأرض، ويسلكه ينابيع فيها فيفتح العيون والأنهار، ويسقى الزروع والثمار، فتشربون منه أنتم ودوابكم وأنعامكم ﴿فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ أي فأخرجنا لكم بذلك الماء حدائق وبساتين فيها النخيل والأعناب