الرغبة كأنها مما لا يرغب عنها عاقل، ثم هدَّده بقوله ﴿لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ﴾ أي لئن لم تترك شتم وعيب آلهتي لأرجمنك بالحجارة ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ أي اهجرني دهراً طويلاً قال السديُّ: أبداً .. بهذه الجهالة تلقى "آزر" الدعوة إلى الهدى، وبهذه القسوة قابل القول المؤدَّب المهذَّب، وكذلك شأن الكفر مع الإِيمان، وشأن القلب الذي هذَّبه الإِيمان، والقلب الذي أفسده الطغيان ﴿قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ أي قال إبراهيم في جوابه: أمَّا أنا فلا ينالك مني أذى ولا مكروه، ولا أقول لك بعدُ ما يؤذيك لحرمة الأبوَّة، وسأسأل الله أن يهديك ويغفر لك ذنبك ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ أي مبالغاً في اللطف بي والاعتناء بشأني ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي أترككم وما تعبدون من الأوثان وأرتحل عن دياركم ﴿وَأَدْعُو رَبِّي﴾ أي وأعبد ربي وحده مخلصاً له العبادة ﴿عَسَى أَلا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ أي راجياً بسبب إخلاصي العبادة له ألاَّ يجعلني شقياً، وفيه تعريضٌ بشقاوتهم بدعاء آلهتهم .. وهكذا اعتزل إبراهيم أباه وقومه وعبادتهم للأوثان، وهجر الأهل والأوطان، فلم يتركه الله وحيداً بل وهب له ذريةً وعوَّضه خيراً ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ قال المفسرون: لما هاجر إبراهيم إلى أرض الشام، واعتزل أباه وقومه في الله، أبدله الله من هو خيرٌ منهم، فوهب له إسحاق ويعقوب أولاداً أنبياء، فآنس الله بهما وحشته عن فراق قومه بأولئك الأولاد الأطهار، ويعقوبُ ابن اسحق، وهما شجرتا الأنبياء فقد جاء من نسلهما أنبياء بني إسرائيل، قال ابن كثير: المعنى جعلنا له نسلاً وعقباً أنبياء، أقرَّ الله بهم عينه في حياته بالنبوة ولهذا قال ﴿وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ أي كل واحدٍ منهما جعلناه نبياً ﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا﴾ أي أعطينا الجميعَ - إبراهيم وإِسحاق ويعقوب - كل الخير الديني والدنيوي، من المال والولد والعلم
والعمل ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ أي جعلنا لهم ذكراً حسناً في الناس، لأن جميع أهل الملل والأديان يثنون عليهم لما لهم من الخصال المرضية، ويُصلون على إِبراهيم وعلى آله إلى قيام الساعة، قال الطبري: أي رزقناهم الثناء الحسن، والذكر الجميل في الناس.
قصة موسى عليه السلام
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا (51) وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (52) وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (53)﴾
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى﴾ أي اذكر يا محمد لقومك في القرآن العظيم خبر موسى الكليم ﴿إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا﴾ أي استخلصه الله لنفسه، واصطفاه من بين الخلق لكلامه ﴿وَكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا﴾ أي من الرسل الكبار، والأنبياء الأطهار، جمع الله له بين الوصفين الجليلين، وإنما أعاد لفظ "كان"لتفخيم شأن النبي المذكور ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ﴾ أي نادينا موسى من جهة جبل الطور من ناحية اليمين حين كلمناه بلا واسطة ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ أي أدْنيناه للمناجاة حين كلمناه، قال ابن عباس: أُدني موسى من الملكوت ورُفعت له الحُجُب حتى سمع صريف الأقلام، قال الزمخشري: شبّهه بمن قرَّبه بعض العظماء للمناجاة حيث كلَّمه بغير واسطة ملك ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ أي وهبنا له من نعمتنا عليه أخاه هارون