تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وَلِيًّا (45) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46) قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (48) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيًّا (49) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (50)}

المنَاسَبَة:

لما ذكر تعالى "قصة مريم" واختلاف النصارى في شأن عيسى حتى عبدوه من دون الله، أعقبها بذكر "قصة إبراهيم" وتحطيمه الأصنام لتذكير الناس بما كان عليه خليل الرحمن من توحيد الربّ الديّان، وسواء في الضلال من عبد بشراً أو عبد حجراً، فالنصارى عبدوا المسيح، ومشركو العرب عبدوا الأوثان.

﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي اذكر يا محمد في الكتاب العزيز خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ أي ملازماً للصدق مبالغاً فيه، جامعاً بين الصّديقية والنبوة، والغرضُ تنبيه العرب إلى فضل إبراهيم الذي يزعمون الانتساب إليه ثم يعبدون الأوثان مع أنه إمام الحنفاء وقد جاء بالتوحيد الصافي الذي دعاهم إليه خاتم المرسلين ﴿إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ أي ناداه متلطفاً بخطابه، مستميلاً له نحو الهداية والإيمان، يا أبت لم تعبد حجراً لا يسمع ولا يبصر، ولا يجلب لك نفعاً أو يدفع عنك ضراً؟ ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ كرّر النصح باللطف ولم يصف أباه بالجهل الشنيع في عبادته للأصنام وإِنما ترفق وتلطف في كلامه أي جاءني من العلم بالله ومعرفة صفاته القدسية ما لا تعلمه أنت ﴿فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ أي اقبل نصيحتي وأطعني أرشدك إلى طريق مستقيم فيه النجاة من المهالك وهو دين الله الذي لا عوَج فيه ﴿يَا أَبَتِ لا تَعْبُدْ الشَّيْطَانَ﴾ أي لا تطع أمر الشيطان في الكفر وعبادة الأوثان ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَانِ عَصِيًّا﴾ أي إن الشيطان عاصٍ للرحمن، مستكبر على عبادة ربه، فمن أطاعه أغواه، قال القرطبي: وإنما عبّر بالعبادة عن الطاعة لأن من أطاع شيئاً في معصية الله فقد عبده ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَانِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ تحذيرٌ من سوء العاقبة والمعنى أخاف أن تموت على كفرك فيحل بك عذاب الله الأليم وتكون قريناً للشيطان بالخلود في النيران قال الإمام الفخر الرازي: وإِيراد الكلام بلفظ ﴿يَا أَبَتِ﴾ في كل خطاب دليل على شدة الحب والرغبة في صونه عن العقاب، وإِرشاده إلى الصواب، وقد رتَّب إبراهيم الكلام في غاية الحسن، لأنه نبَّهه أولاً إلى بطلان عبادة الأوثان، ثم أمره باتباعه في الاستدلال وترك التقليد الأعمى، ثم ذكَّره بأن طاعة الشيطان غير جائزة في العقول، ثم ختم الكلام بالوعيد الزاجر عن الإِقدام مع رعاية الأدب والرفق، وقوله ﴿إِنِّي أَخَافُ﴾ دليلٌ على شدة تعلق قلبه بمصالحه قضاءً لحق الأبوَّة ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ﴾ أي قال له أبوه آزر: أتارك يا إبراهيم عبادة آلهتي ومنصرفٌ عنها؟ استفهامٌ فيه معنى التعجب والإِنكار لإِعراضه عن عبادة الأوثان كأن ترك عبادتها لا يصدر عن عاقل، قال البيضاوي: قابل أبوه استعطافه ولطفه في الإِرشاد بالفظاظة وغلظة العناد، فناداه باسمه ولم يقابل قوله ﴿يا أبتِ﴾ بـ"يا ابني" وقدَّم الخبر وصدَّره بالهمزة لإِنكار نفس

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٥٦٦٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٥٦٦٠