صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31) وَلَقَدْ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (32) أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنْ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33) لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (34)}
سبب النزول:
نزول الآية (31):
﴿ولو أن قرآنا﴾: أخرج الطبراني وغيره عن ابن عباس، قال: قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كان كما تقول، فأرنا أشياخنا الأُوَل، نكلمهم من الموتى، وافسح لنا هذه الجبال - جبال مكة التي قد ضمتنا، فنزلت: ﴿ولو أن قرآناً سيرت به الجبال﴾ الآية.
﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ﴾ أي كما أرسلنا الأنبياء من قبلك كذلك أرسلناك يا محمد في أمة قد مضت قبلها أمم كثيرة، فهي آخر الأمم وأنتَ خاتم الأنبياء ﴿لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ أي لتبلّغهم هذا الوحي العظيم والذكر الحكيم ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَانِ﴾ أي والحال أنهم يكفرون بالرحمن الذي وسعت رحمته كل شيء ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين إن الرحمن الذي كفرتم به وأنكرتم معرفته هو ربي الذي آمنتُ به لا معبود لي سواه ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ أي عليه وحده اعتمدت، وإليه توبتي ومرجعي فيثيبني على مجاهدتكم، والغرضُ تسلية النبي صلى الله عليه وسلم مما يلقاه من كفار قريش من الجحود والعناد فقد كذَّب قبلهم الأمم ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ أي لو كان كتابٌ من الكتب المنزّلة سُيرت بتلاوته الجبال وزعزعت عن أماكنها ﴿أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ﴾ أي شُققت به الأرض حتى تتصدَّع وتصير قطعاً ﴿أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ أي خوطب به الموتى حتى أجابوا وتكلموا بعد أن أحياهم الله بتلاوته عليهم، وجواب ﴿لو﴾ محذوف تقديره: لكان هذا القرآن، لكونه غايةً في الهداية والتذكير، ونهايةً من الإِنذار والتخويف، وقال الزجاج: تقديره "لما آمنوا" لغلوهم في المكابرة والعناد، وتماديهم في الضلال والفساد ﴿بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا﴾ بلْ للإِضراب والمعنى: لو أن قرآناً فُعل به ما ذُكر لكان ذلك هذا القرآن، ولكنَّ الله لم يجبهم إلى ما اقترحوا من الآيات، لأنه هو المالك لجميع الأمور والفاعل لما يشاء منها من غير أن يكون لأحدٍ عليه تحكّمٌ أو اقتراح ﴿أَفَلَمْ يَيْئَسْ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ أي أفلم يقنط وييأس المؤمنون من إيمان الكفار، ويعلموا أنه تعالى لو شاء هدايتهم لهداهم لأن الأمر له، ولكنْ قضت الحكمة أن يكون بناء التكليف على ﴿وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾ أي ولا يزال كفار مكة يصيبهم بسوء أعمالهم وكفرهم داهيةٌ تقرع أسماعهم وتقلق بالهم من صنوف البلايا والمصائب ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ أي أو تحلُّ القارعة والداهية قريباً من ديارهم فيفزعون منها ويتطاير إليهم شررها ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾ بإظهار الإِسلام وانتصارك عليهم بفتح مكة ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ أي لا يخلف وعده لرسله وأوليائه بنصرتهم على أعدائه {وَلَقَدْ