لو كان هؤلاء على الحق لما أصيبوا ﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ أي خلِّصنا وأنقذنا بفضلك وإِنعامك من كيد فرعون وأنصاره الجاحدين.
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ أي اتخذا لهم بيوتاً للصلاة والعبادة ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ أي اجعلوها مصلّى تصلون فيها عند الخوف، قال ابن عباس: كانوا خائفين فأُمروا أن يصلّوا في بيوتهم ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أي أدوا الصلاة المفروضة في أوقاتها، بشروطها وأركانها على الوجه الأكمل ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي بشّر يا موسى أتباعك المؤمنين بالنصر والغلبة على عدوهم.
اليأس من إيمان فرعون وملئه
﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الألِيمَ (88) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَانِ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (89)﴾
﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي قال موسى يا ربنا إنك أعطيت فرعون وكبراء قومه وأشرافهم، زينةً من متاع الدنيا وأثاثها، وأنواعاً كثيرة من المال ﴿رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ اللام لامُ العاقبة أي آتيتهم تلك الأموال الكثيرة لتكون عاقبة أمرهم إِضلال الناس عن دينك، ومنعهم عن طاعتك وتوحيدك ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ دعاءٌ عليهم أي أهلكْ أموالهم يا ألله وبدِّدْها ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ أي قسِّ قلوبهم واطبع عليها حتى لا تنشرح للإِيمان، قال ابن عباس: أي امنعهم عن الإِيمان ﴿فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الألِيمَ﴾ دعاءٌ عليهم بلفظ النفي أي اللهمَّ فلا يؤمنوا حتى يذوقوا العذاب المؤلم ويوقنوا به حيث لا ينفعهم ذلك، وإِنما دعا عليهم موسى لطغيانهم وشدة ضلالهم، وقد علم بطريق الوحي أنهم لن يؤمنوا فدعا عليهم، قال ابن عباس: كان موسى يدعو وهارون يؤمّن فنسبت الدعوة إِليهما.
﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ أي قال تعالى قد استجبتُ دعوتكما على فرعون وأشراف قومه ﴿فَاسْتَقِيمَا﴾ أي اثبتا على ما أنتما عليه من الدعوة إِلى الله وإِلزام الحجة ﴿وَلاَ تَتَّبِعَانِ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي لا تسلكا سبيل الجهلة في الاستعجال أو عدم الاطمئنان بوعد الله تعالى، قال الطبري: رُوي أنه مكث بعد هذه الدعوة أربعين سنة ثم أغرق الله فرعون.
عاقبة الطغاة المتعالين وإنجاء المؤمنين المذعنين للحق
﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90) آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92) وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمْ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (93)﴾
﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾ أي قطعنا وعدَّينا ببني إِسرائيل البحر "بحر السويس" حتى جاوزوه ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا﴾ أي لحقهم فرعونُ مع جنوده ظلماً وعدواناً وطلباً للاستعلاء بغير حق ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾ أي حتى إِذا