﴿وَالَّذِينَ ءامنوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا﴾ أي ءامنوا وأقاموا بمكة فلم يهاجروا إِلى المدينة ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ أي لا إِرث بينكم وبينهم ولا ولاية حتى يهاجروا من بلد الكفر ﴿وَإِنْ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ أي وإِن طلبوا منكم النصرة لأجل إِعزاز الدين، فعليكم أن تنصروهم على أعدائهم لأنهم إِخوانكم ﴿إِلا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ أي إِلا إِذا استنصروكم على من بينكم وبينهم عهد ومهادنة فلا تعينوهم عليهم ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي رقيب على أعمالكم فلا تخالفوا أمره .. ذكر تعالى المؤمنين وقسمهم إِلى ثلاثة أقسام: المهاجرين، الأنصار، الذين لم يهاجروا، فبدأ بالمهاجرين لأنهم أصل الإِسلام وقد هجروا الديار والأوطان ابتغاء رضوان الله، وثنى بالأنصار لأنهم نصروا الله ورسوله وجاهدوا بالنفس والمال، وجعل بين المهاجرين والأنصار الولاية والنصرة، ثم ذكر حكم المؤمنين الذين لم يهاجروا وبيّن أنهم حرموا الولاية حتى يهاجروا في سبيل الله، وبعد ذكر هذه الأقسام الثلاثة ذكر حكم الكفار فقال.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ أي هم في الكفر والضلال ملة واحدة فلا يتولاهم إِلا من كان منهم ﴿إِلا تَفْعَلُوهُ﴾ أي وإِن لم تفعلوا ما أمرتم به من تولي المؤمنين وقطع الكفار ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ أي تحصل في الأرض فتنة عظيمة ومفسدة كبيرة، لأنه يترتب على ذلك قوة الكفار وضعف المسلمين، ثم عاد بالذكر والثناء على المهاجرين والأنصار فقال ﴿وَالَّذِينَ ءامنوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وهم المهاجرون أصحاب السبق إِلى الإِسلام ﴿وَالَّذِينَ ءاوَوا وَنَصَرُوا﴾ وهم الأنصار أصحاب الإِيواء والإِيثار ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ أي هؤلاء هم الكاملون في الإِيمان، المتحققون في مراتب الإِحسان ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ أي لهم مغفرة لذنوبهم، ورزق كريم في جنات النعيم، قال المفسرون: ليس في هذه الآيات تكرار، فالآيات السابقة تضمنت الولاية والنصرة بين المؤمنين، وهذه تضمنت الثناء والتشريف، ومآل حال أولئك الأبرار من المغفرة والرزق الكريم في دار النعيم.
﴿وَالَّذِينَ ءامنوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنْكُمْ﴾ هذا قسم رابع وهم المؤمنون الذين هاجروا بعد الهجرة الأولى فحكمهم حكم المؤمنين السابقين في الثواب والأجر ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ أي أصحاب القرابات بعضهم أحق بإِرث بعض من الأجانب في حكم الله وشرعه وقال العلماء: هذه ناسخة للإِرث بالحلف والإِخاء ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي أحاط بكل شيء علماً، فكل ما شرعه الله حكمة وصواب وصلاح، لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وهو ختم للسورة في غاية البراعة.
==============
9 - سورة التوبة
نقض عهد المشركين، وإِعلان الحرب عليهم والبراءة منهم
فريضة قتال مشركي العرب
مشروعية الأمان
الحكمة من البراءة من عهود المشركين