على أن النصر من غير استعداد لا يتأتى في كل زمان ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ أي الخيل التي تربط في سبيل الله ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ أي تُخيفون بتلك القوة الكفار أعداء الله وأعداءكم ﴿وَءاخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ﴾ أي وترهبون به آخرين غيرهم، قال ابن زيد: هم المنافقون، وقال مجاهد: هم اليهود من بني قريظة والأول أصح لقوله ﴿لا تَعْلَمُونهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ أي لا تعلمون ما هم عليه من النفاق ولكن الله يعلمهم ﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي وما تنفقوا في الجهاد وفي سائر وجوه الخيرات ﴿يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ أي تُعْطون جزاءه وافياً كاملاً يوم القيامة ﴿وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ أي لا تنقصون من ذلك الأجر شيئاً.
تفضيل السلام، والتحريض على القتال
﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63) يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنْ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (64) يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (65) الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (66)﴾
﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ أي إِن مالوا إِلى الصلح فمل أنت إلى المهادنة وأجبهم إِلى ما طلبوا إِن كان فيه مصلحة ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ أي فوض الأمر إِلى الله ليكون عوناً لك على السلامة ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي هو سبحانه السميع لأقوالهم العليم بنياتهم.
﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ﴾ أي وإِن أرادوا بالصلح خداعك ليستعدوا لك ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ أي فإِن الله يكفيك وهو حسبك، ثم ذكره بنعمته عليه فقال ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ أي قواك وأعانك بنصره وشد أزرك بالمؤمنين، قال ابن عباس: يعني الأنصار ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ أي جمع بين قلوبهم على ما كان بينهم من العداوة والبغضاء، فأبدلهم بالعداوة حباً، وبالتباعد قرباً، قال القرطبي: وكان تأليف القلوب مع العصبيّة الشديدة في العرب من آيات النبي صلى الله عليه وسلم ومعجزاته، لأن أحدهم كان يُلطم اللطمة فيقاتل عليها، وكانوا أشد خلق الله حمية، فألف الله بينهم بالإِيمان، حتى قاتل الرجل أباه وأخاه بسبب الدين ﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ أي لو أنفقت في إِصلاح ذات بينهم ما في الأرض من الأموال ما قدرت على تأليف قلوبهم واجتماعها على محبة بعضهم بعضاً ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ أي ولكنه سبحانه بقدرته البالغة جمع بينهم ووفق، فإِنه المالك للقلوب يقلبها كيف يشاء ﴿إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي غالب على أمره لا يفعل شيئاً إِلا عن حكمة.
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي الله وحده كافيك، وكافي أتباعك، فلا تحتاجون معه إِلى أحد، وقال الحسن البصري: المعنى حسبك أي كافيك الله والمؤمنون ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ أي حض المؤمنين ورغبهم بكل جهدك على قتال المشركين {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا