تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الجهة الأخرى إلى أعلى. ولو سألتهم لقالوا: نحمل التوراة ثم يهتزون منتفضين لأنهم اهتزوا ساعة دفع الجبل عنهم، وهو الوضع ذاته في كل صلاة.

﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أي أعرضتم عن الميثاق بعد أخذه ﴿فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ أي بقبول التوبة ﴿وَرَحْمَتُهُ﴾ بالعفو عن الزلة ﴿لَكُنتُمْ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ أي لكنتم من الهالكين في الدنيا والآخرة.

فائدة: الفضل هو الزيادة عمّا تستحقه ولذا جاء في الحديث "سددوا وقاربوا وأبشروا فإنه لا يُدخِلُ أحداً الجنة عَمَلُه. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بمغفرة ورحمة" [رواه الشيخان وغيرهما]، لأن عمل الإنسان كله لا يعدل نعمة واحدة من نعم الله على الإنسان، فيأتي فضل الله ليدخله الجنة.

أما الرحمة فهي التي فتحت طريق التوبة لغفران الذنوب.

ومن رحمته تعالى وفضله على بني إسرائيل أن ذكر لهم أوصاف خاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام في التوراة ليخرجهم من الضلالة إلى الهدى ومن الخسران المبين إلى الفوز العظيم، ولكنهم استكبروا وجحدوا وتعنتوا فاستحقوا غضب الله تعالى.

قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 89].

﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ أي عرفتم ما فعلنا بمن عصى أمرنا حين خالفوا واصطادوا يوم السبت وقد نهيناهم عن ذلك.

والقصة معروفة عند اليهود -ولذا جاء التعبير القرآني ﴿ولقد علمتم﴾ - وهي أنتهم أرادوا يوماً للراحة فأعطاهم الله يوم السبت، وكانوا يعيشون على صيد السمك فأراد الله ابتلاءهم فحرم عليهم العمل يوم السبت، وجعل الحيتان تأتي في هذا اليوم وتطفوا على سطح الماء لتفتنهم، فإذا جاء صباح الأحد ذهبت بعيداً، فأرادوا التحايل على الله فصنعوا حياضاً عميقة، وكان السمك إذا دخلها صعب عليه الخروج منها فيصطادونه صبيحة الأحد. فبحماقة من يحتال على من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور! فكان جزاؤهم:

﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ أي مسخناهم قردة بعد أن كانوا بشراً مع الذلة والإِهانة ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾ أي المسخة ﴿نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ أي عقوبة زاجرة لمن شاهدها وعاينها ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ وعبرة لمن جاء بعدها من الأمم ولم يشاهدها ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي عظةً وذكرى لكل عبدٍ صالحٍ متّقٍ لله سبحانه وتعالى.

ما يستخلص من الآيات [63 - 66]:

1 - ذكرت هذه الآيات قصتين، الأولى: قصة رفع جبل الطور فوق بني إسرائيل، والثانية: قصة تحايل بني إسرائيل على الله.

الأولى: يؤخذ منها أن اليهود لا يعترفون ولا يلتزمون إلا بمنطق القوة، فلا حوار ينفع معهم، ولا عهود ولا مواثيق يثبتون عليها. والتاريخ خير شاهد على غدرهم وخيانتهم، فمبال بعض الناس يكذبون التاريخ ويعرضون عن كلام الله الشافي الواقي ويؤولونه على حسب ما تمليه عليهم أمزجتهم لتبرير مواقفهم، فتراهم يستشهدون بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ويطبّقونها في غير موضعها، ويعرضون عن قوله تعالى: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 35].

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٥١١٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٥١١٩