تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي غَيَّر الظالمون أمر الله فقالوا ﴿قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ حيث دخلوا يزحفون على "أدبارهم" وقالوا على سبيل الاستهزاء "حِنْطة" وهي القمح، ليطوعوا اللفظ لأغراضهم فكأن المسألة ليست عدم قدرة على الطاعة ولكن رغبة في المخالفة وسخرية من أوامر الله. ﴿فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي أنزلنا عليهم طاعوناً وبلاءً ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ أي بسبب عصيانهم وخروجهم عن طاعة الله، روي أنه مات بالطاعون في ساعة واحدة منهم سبعون ألفاً.

﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ أي اذكروا يا بني إِسرائيل حين طلب موسى السقيا لقومه وقد عطشوا في التيه ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾ أي اضرب أيّ حجر كان تتفجر بقدرتنا العيون منه ﴿فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ أي فضرب فتدفق الماء منه بقوة وخرجت منه اثنتا عشرة عيناً بقدر قبائلهم.

وهنا ينبغي أن نقف وقفة، فالإنسان حين يستسقي الله يطلب منه أن ينزل عليه ماء من السماء، والحق جل جلاله كان قادراً على إنزاله من السماء، ولكنه تعالى أرادها معجزة لبني إسرائيل فسقاهم من الحجر التي تحت أرجلهم، ليعلموا أنه يستطيع أن يأتي بالماء من الحجر الصلب، وأن نبع الماء من متعلقات "كُنْ فيكون" وإن اقتضت حكمته تعالى ربط الأسباب بمسبباتها.

وصح هذا فقد تعنت بنو إسرائيل وقالوا لموسى عليه السلام: هب أننا في مكان لا حجر فيه، من أين ينبع الماء؟ فلا بد أن نأخذ معنا الحجر حتى عطشنا ضربت الحجر وشربنا. وقد نسوا أن سقوا بكلمة "كُنْ" لا بالحجر، ولكنهم قوم لا يؤمنون إلا بما يرونه بأُمِّ أعينهم.

﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ أي علمت كل قبيلة مكان شربها لئلا يتنازعوا ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ﴾ أي قلنا لهم: كلوا من المنّ والسلوى، واشربوا من هذا الماء، من غير كدّ منكم ولا تعب، بل هو من خالص إِنعام الله ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ أي ولا تطغوا في الأرض بأنواع البغي والفساد.

ما يستخلص من الآيات [55 - 60]:

1 - تذكير القرآن بني إسرائيل المعاصرين بما أنعمه الله من نعم على أصولهم فيه دلالة على أن الفرع يتأثر بسلوك الأصل إن خيراً فخيراً وإن شراً فشراً. ولذا قال الحق تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: 25]. وقال أيضاً في كنز الغلامين اليتيمين: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الكهف: 82]، فكان صلاح الأب أو الجد سبباً في صلاح الابن وحفظ ما تركه له من مال.

2 - أفاد قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾، أن الله تعالى لا تضره معصية العاصي ولا تنفعه طاعة الطائع، وهو معنى قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [يونس: 23].

3 - تفجير الماء من الحجر، هي من المعجزات التي أجراها الله على يد موسى عليه السلام. وكان الله قادراً على تفجير الماء وفلق البحر من غير ضرب عصا، ولكنه

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٥١١٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٥١١٤