الحق وهو نور على نور محقاً ... إلخ، لكان يفهم من ذلك أنه نور على نور في ذاته، أما كونه حالاً فإنه لا يؤدي معنى الثبات. فليس المقصود إذاً أنه نور على نور في ذاته، بل إنه جاء نوراً على نورٍ، وكونه جاء ليفرق بين حقٍّ وباطل كائنين قبل نزوله، فليس فيما هو كائن قبل نزوله نور إذاً.
ثم تأتي (محقّاً) وهذا اسم فاعل من الفعل (أحقَّ) والفعل ليس رباعياً وإنما هو ثلاثي فهو (حقق) كما ورد في المعجم (انظر: لسان العرب/ ج10 / ص49 - 58)، ومن ثمَّ فصياغة اسم الفاعل من الثلاثي المبني للمعلوم تكون على وزن فاعل فيقال (حاقّ) ولو كان الفعل (أًحَقَّ) أي رباعياً لما صح أن تكون صيغة التفضيل منه (أحقّ) لأنَّ هذه الصيغة تصاغ من الثلاثي لا من الرباعي.
ثم تأتي كلمة (مزهقاً) وأصل الفعل ثلاثي مبني للمعلوم (زَهَقَ) واسم الفاعل منه (زاهق) وليس (مُزهقاً)
أخطاء في استعمال الكلمات
و (زاهق) على وزن فاعل غير أنه يدل على الثبات، فهو صفة مشبهة وليس اسم فاعل، وكذلك قولنا (زهوق) فهي صفة مشبهة وليست مبالغة من اسم الفاعل. ثم إنَّ الفعلين (حقق) و (زهق) فعلان لا يتعديان بـ (اللام) فأنت تقول (حققت الحقَ وزَهَقْتُ الباطل) ولا تقول (حققت للحق وزهقت للباطل).
وجاءت هنا (محقاً للحق ومزهقاً للباطل) فما الفرق بين (محقّ الحقّ) و (مُحقّ للحق)
يقول النحاة: إن اسم الفاعل إذا نصب مفعولاً كان دالاً على الحال أو الاستقبال ومثال ذلك، أما إذا دخلت اللام على المفعول به أفاد الإطلاق، فقولك (أنت منصف خالداً) هذا يدل على حالتك الآن أو لما سيأتي، وقولك (أنت منصف لخالد) دليل على الإطلاق أي أن الأمر كائن، ماضياً وحاضراً و مستقبلا. ً فكيف يكون إنزال النص محقاً للحق ومزهقاً للباطل وهذا الأمر يدل على الإطلاق. فالنص محقّ الحق مزهق الباطل ماضياً (قبل الإنزال) وحاضراً ومستقبلاً.
فإن صلح ذلك حاضراً ومستقبلاً فكيف يحق الحق ويزهق الباطل قبل نزوله، ومنه فيجب أن تكون (محقّ الحقّ مزهق الباطل).
أخطاء في البلاغة
ثم يأتي القول: (محقاً للحق ومزهقاً للباطل)
إنَّ من البلاغة حذف الواو في هذا الموضع لما فيه من الإيجاز، ذلك أن إثباتها يقتضي تغاير المعطوف والمعطوف عليه، فإذا حُذِفَت أَشْعَرَ ذلك بأن الكلَّ كالشيء الواحد، وهنا من يحق الحق ويزهق الباطل واحد، وهو الفرقان حسب ما جاء في النص.
فمن البلاغة أن تأتي الواو بين الصفات المتباعدة المتناقضة في الظاهر، حيث يبعد في الذهن اجتماع هذه الصفات في ذات واحدة، فأنت تقول: فلان مهندس وموسيقي وشاعر، فهذه الصفات تعود لذات واحدة غير أنها متباعدة، فأتت الواو لتقرر الأمر وتحققه، وليس في وصف الفرقان (الذي في اسمه تفريق بين الحق والباطل) بـ (محق الحق مزهق الباطل) ما يدل على تباعد الصفات أو تناقضها في الظاهر.