بنحو قوله (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فاتوا بسورة من مثله. وادعوا شهداءكم من دون الله) وفي موضع آخر: (وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين) وقال: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً).
فجعل عجزهم علماً للرسالة، فلو قدروا ما أقصروا، إذ قد بذلوا أرواحهم في إطفاء نوره وتوهين أمره، فلما رأيناهم تارة يقولون: (لا تسمعوا لهذا القرآن والغوافيه) وتارة يقولون: (لو نشاء لقلنا مثل هذا)، وتارة يصفونه بأنه (أساطير الأولين) وتارة يقولون: (لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة) وتارة يقولون: (إئت بقرآن غير هذا أو بدله) كل ذلك عجزاً عن الإتيان بمثله، علمنا قصورهم عنه، ومحال أن يقال: إنه عورض فلم ينقل فالنفوس مهتزة لنقل ما دق وجل. وقد رأينا كتباً كثيرة صنفت في الطعن على الإسلام قد نقلت وتدوولت.
| ويمتاز القرآن على سائر المعاجز بأنه يضم إلى جانب كونه معجزاً جانب كونه كتاب تشريع، فقد قرن التشريع بإعجاز ووحد بينهما |، فكانت دعوة يرافقها شهادة من ذاتها، دل على ذاته بذاته.
قال العلامة ابن خلدون: اعلم أن أعظم المعجزات وأشرفها وأوضحها دلالة القرآن الكريم المنزل على نبينا محمد (ص) .. فإن الخوارق في الغالب تقع مغايرة للوحي الذي يتلقاه النبي ويأتي بالمعزة شاهدة بصدقه، والقرآن هو بنفسه الوحي المدعى، وهو الخارق المعجز فشاهده في عينه ولا يفتقر إلى دليل مغاير له كسائر المعجزات مع الوحي، فهو أوضح دلالة، لاتحاد الدليل والمدلول فيه.
قال: وهذا معنى قوله (ص): (ما من نبي من الأنبياء إلا وأوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحي إليّ، فأنا أرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة). يشير إلى أن المعجزة متى كانت بهذه المثابة في الوضوح وقوة الدلالة، وهو كونها نفس الوحي، كان الصدق لها أكثر لوضوحها، فكثر المصدق المؤمن وهو التابع والأمة.
وقال الجاحظ: (بعث الله محمداً (ص) أكثر ما كانت العرب شاعراً وخطيباً، وأحكم ما كانت لغة، وأشد ما كانت عدة، فدعا أقصاها وأدناها إلى توحيد الله وتصديق رسالته، فدعاهم بالحجة، فلما قطع العذر وأزال الشبهة وصار الذي يمنعهم من الإقرار، الهوى والحمية دون الجهل والحيرة، حملهم على حظهم بالسيف، فنصب لهم الحرب ونصبوا، وقتل من عليهم وأعلامهم وأعمامهم وبني أعمامهم، وهو في ذلك يحتج عليهم بالقرآن، ويدعوهم صباحاً ومساء إلى أن يعارضوه إن كان كاذباً، بسورة واحدة، أو بآيات يسيرة، فكلما ازداد تحدياً لهم بها، وتقريعاً لعجزهم عنها، تكشف من نقصهم ما كان مستوراً، وظهر منه ما كان خفياً، فحين لم يجدوا حيلة ولا حجة قالوا له: أنت تعرف من أخبار الأمم ما لا نعرف، فلذلك يمكنك ما لا يمكننا. قال: فهاتوها مفتريات، فلم يرم ذلك خطيب ولا طمع فيه شاعر، ولو طمع فيه لتكلفه، ولو تكلفه لظهر ذلك، ولو ظهر لوجد من يستجيده ويحامي عليه ويكابر فيه ويزعم أنه قد عارض وقابل وناقض، فدل ذلك على عجز القوم، مع كثرة كلامهم، واستجابة لغتهم، وسهولة ذلك عليهم، وكثرة شعرائهم وكثرة من هجاه منهم وعارض شعراء