ومن هذا الوادي: (ولا تقف ما ليس لك به علم) فحركة الاقتفاء تتهيأ للذهن، ويتمثلها الخيال (بالجسم والأقدام، لا يمجرد الذهن والجنان).
4 ـ ولو من (التخييل) يتمثل في الحركة الممنوحة لما من شأنه السكون كقوله: (واشتعل الرأس شيباً) فحركة الاشتعال هنا تخيل للشيب في الراس حركة كحركة اشتعال النار في الهشيم، فيها حياة وجمال.
وأما (التجسيم) فقد وردت له أمثلة كثيرة. ومنه كل التشبيهات التي جيء بها لا حالة المعاني والحالات صوراً وهيئات.
نذكر منها: (مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف) و (يا أيها الذين آمنوا لاتبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر، فمثله كمثل صفوان عليه تراب). و (مثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله، وتثبيتاً من أنفسهم، كمثل جنة بربوة ... ) إلخ.
ولكن الذي نعنيه هنا بالتجسيم، ليس هو التشبيه بمحسوس، فهذا كثير معتاد، إنما نعني لوناً جديداً هو تجسيم المعنويات، لا على وجه التشبيه والتمثيل، بل على وجه التصيير والتحويل.
1 يقول: (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً، وما عملت من سوء، تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً). (ووجدوا ما عملوا حاضراً، ولا يظلم ربك أحداً). أو (وما تقدموا لأنفسهم من خير تجدوه عند الله). فيجعل كأن هذا العمل المعنوي مادة محسوسة. تحضر (على وجه التجسيم) أو تحضر هي (على وجه التشخيص) أو توجد عند الله كأنها وديعة تسلم هنا فتتسلم هناك.
وقريب من هذا تجسيم الذنوب كأنها أحمال (تحمل على الظهور زيادة في التجسيم): (وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم). (ولا تزر وازرة وزر أخرى).
ومن تجسيم المعنويات أمثال: (وتزوّدوا فإن خير الزاد التقوى) فالتقوى زاد. أو صبغة الله. ومن أحسن من الله صبغة؟) فدين الله صبغة معلمة. أو (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة) فالسلم مما يدخل فيه. أو (وذروا ظاهر الإثم وباطنه) فالإثم مما له ظاهر وباطن. آخر هذا النحو من الاستعارات.
2 ـ ويحدث عن حالة نفسية معنوية هي حالة التضايق والضجر والحرج. فيجسمها كحركة جثمانية: ( ... وعلي الثلاثة الذين خلفوا، حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه). فالأرض تضيق عليهم، ونفوسهم تضيق بهم كما تضيق الأرض، ويستحيل الضيق المعنوي في هذا التصوير ضيقاً حسياً أوضح وأوقع، وتتجسم حالة هؤلاء الذين تخلفوا عن الغزو مع الرسول (فأحسوا بهذا الضيق الخانق، وندموا على تخلفهم ذلك الندم المحرج، حتى لايجدون لهم ملجأ ولا مفراً، ولا يطيقون راحة إلى أن قبل الله توبتهم.
ومثله: (وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين، ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع) فالقلوب كأنما تفارق مواضعها وتبلغ الحناجر حقاً من شدة الضيق.
ومنه: (فلولا إذا بلغت الحلقوم، وأنتم حينئذ تنظرون) كأنما الروح شيء مجسم، يبلغ الحلقوم في حركة محسوسة.