تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

القرآن التأثيري في المؤمنين والكافرين به على سواء. وفي النقطة الثالثة يبرز الإمام في بعض أسرار التأثير القرآني في الإنسان فيقول:

(إن القرآن يملك على الإنسان نفسه بالوسيلة الوحيدة التي تقهر تفوقه في الجدل، أي بتقديم الدليل المفحم لكل شبهة، وتسليط البرهان القاهر على كل حجة) فالنكوص عن الإيمان بعد قراءة القرآن يكون كفراً عن تجاهل لا عن جهل، ومن تقصير لا من قصور. والجدل آفة نفسية وعقلية معاً، والنشاط الذهني للمجادل يمده حراك نفسي خفي، قلما يهدأ بسهولة. وجماهير البشر لديها من أسباب الجدل ما يفوق الحصر، ذلك أنهم يرتبطون بما ألفوا أنفسهم عليه من أديان وآراء ومذاهب ارتباطاً شديداً، ويصعب عليهم الإحساس بأنهم وآباءهم كانوا في ضلال ـ مثلاً ـ، فإذا جاءت رسالة عامة تمزق الغشاوات عن العيون وتكشف للناس ما لم يكونوا يعرفون. فلا تستغربن ما تلقى من الإنكار والتوقف، أو التكذيب والمعارضة. وأسلوب القرآن في استلال الجفوة من النفس، إلقاء الصواب في الفكر، أوفى على الغاية في هذا المضمار. ذلك أنه لون حديثه للسامعين تلويناً يمزج بين إيقاظ العقل والضمير معاً، ثم تابع سوقه متابعة إن أفلت المرء منها أولاً لم يفلت آخراً. وذلك هو تصريف الأمثال للناس.

إنه أحاطه بسلسلة من المغريات المنوعة، لا معدى له من الركون إلى إحداها، أو معالجة القلوب المغلقة بمفاتيح شتى، لابدّ أن يستسلم القفل عنه واحد منها. وتراكيب القرآن ـ التي تنتهي حتماً بهذه النتيجة ـ تستحق التأمل الطويل. ولسنا هنا بصدد الكلام عن بلاغتها، بل بصدد البحث عن المعاني التي تألفت منها، فكان من اجتماعها هذا الأثر الساحر».

ويستكمل الشيخ/ الغزالي بيانه عن وسائل القرآن التي تسبب التأثير في النفس الإنسانية فيقول:

إن طبيعة هذا القرآن لا تلبث أن تقهر برودة الإلف، وطول المعرفة، فتتعرى أمامه النفوس، وتنسلخ من تكلفها وتصنعها، وتنزعج من ذهولها وركودها، وتجد نفسها أمام الله ـ جل شأنه ـ يحيطها ويناقشها، ويعلمها ويؤدبها، فما تستطيع أمام صوت الحق المستعلن العميق إلا أن تخشع وتصيخ ثم يقول:

وكما قهر القرآن نوازع الجدل في الإنسان وسكن لجاجته، تغلب على مشاعر الملل فيه، وأمده بنشاط لا ينفد. والجدل غير الملل، هذا تحرك ذهني، قد يجسد الأوهام، ويحولها إلى حقائق، وهذا موات عاطفي، قد يجمد المشاعر، فما تكاد تتأثر بأخطر الحقائق، وكثير من الناس يصلون في حياتهم العادية إلى هذه المنزلة من الركود العاطفي، فنجد لديهم بروداً غريباً بإزاء المثيرات العاصفة، لا عن ثبات وجلادة، بل عن موت قلوبهم، وشلل حواسهم.

والقرآن الكريم ـ في تحدثه للنفس الإنسانية ـ حارب هذا الملل وأقصاه عنها إقصاء، وعمل على تجديد حياتهم بين الحين والحين، حتى إنه ليمكنها أن تستقبل في كل يوم ميلاداً جديداً. (وكذلك أنزلناه قرآناً عربياً وصرّفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكراً).

ومن وسائل القرآن التأثيرية: الترغيب والترهيب. يقول الغزالي:

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٥٠٤٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٥٠٤٤