تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

توفنا مع الأبرار، ربنا و آتنا ما وعدتنا على رسلك و لا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد ".

إن في تكرار عبارة " ربنا " لما يلين القلب، و يبعث فيه نداوة الإيمان، و أن في الوقوف بالسكون على الراء المذلقة المسبوقة بهذه الألف اللينة لما يعين على الترخيم و الترنيم، و يعوض في الأسماع أحلى ضربات الوتر على أعذب العيدان.

و لئن كان في موقفي الدعاءين هذين نداوة و لين، ففي بعض مواقف الدعاء القرآني الأخرى صخب رهيب، ها هو ذا نوح عليه السلام يدأب ليلاً و نهاراً على دعوة قومه إلى الحق، ويصر على نصحهم سراً و علانية، و هم يلجون في كفرهم و عنادهم، ويفرون من الهدى فراراً، و لا يزدادون إلا ضلالاً و استكباراً، فما على نوح ـ و قد أيس منهم ـ إلا أن يتملكه الغيظ و يمتلئ فمه بكلمات الدعاء الثائرة الغضبى تنطلق في الوجوه مديدة مجلجة، بموسيقاها الرهيبة، و إيقاعها العنيف، و ما تتخيل الجبال إلا دكا، و السماء إلا متجهمة عابسة و الأرض إلا مهتزة مزلزة، والبحار إلا هائجة ثائرة، حين دعا نوح على قومه بالهلاك و التيار فقال: " رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا، إنك إن تذرهم يضلوا عبادك و لا يلدوا إلا فاجراً كفاراً، رب أغفر لي ولوالدي و لمن دخل بيتي مؤمنا، و للمؤمنين و المؤمنات، و لا تزد الظالمين إلا تبارا" سورة الأحزاب. أما الحناجر الكظيمة المكبوتة التي يتركها القرآن في بعض مشاهده تطلق أصواتها الحبيسة ـ بكل كربها و ضيقها و بحتها و حشرجتها ـ فهي حناجر الكافرين النادمين يوم الحساب العسير، فيتحسرون و يحاولون التنفيس عن كربهم ببعض الأصوات المتقطعة المتهدجة، كأنهم بها يتخففون من أثقال الدين يدعون ربهم دعاء التائبين النادمين و يقولون:" ربنا أنا أطعنا سادتنا و كبراءنا فأضلونا السبيلاً، ربنا آتهم ضعفين من العذاب و العنهم لعنا كبيراً." سورة الأحزاب 67،68.

و إن هذه الموسيقى الداخلية لتنبعث في القرآن حتى من اللفظة المفردة في كل آية من آياته، فتكاد تستقل ـ بجرسها و نغمها ـ بتصوير لوحة كاملة فيها اللون زاهياً أو شاحباً، و فيها الظل شفيقاً أو كثيفاً. أرأيت لونا أزهي من نضرة الوجوه السعيدة الناظرة إلى الله، ولونا أشد تجهما من سواد الوجوه الشقية الكالحة الباسرة في قوله تعالى: " وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة، ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة " سورة القيامة. لقد استقلت في لوحة السعداء لفظة " ناضرة " بتصوير أزهى لون و أبهاه، كما استقلت في لوحة الأشقياء لفظة " باسرة " برسم أمقت لون و أنكاه.

المصدر:

إعجاز النظم في القرآن الكريم تأليف الأستاذ محمود شيخون.

دراسات حول الإعجاز البياني في القرآن الدكتور المحمدي عبد العزيز الحناوي

إعجاز القرآن البياني الدكتور عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ

=====================

نشأة الإعجاز التأثيري للقرآن وتطوره

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٥٠٣٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٥٠٣٧