تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

استيلاء أشبه بالقهر وما هو بالقهر وأفعل من السحر وما هو بالسحر سواء في ذلك أنصاره وأعداؤه ومحالفوه ومخالفوه وما ذاك إلا لأنهم ذاقوا بسلامة فطرتهم العربية بلاغته ولمسوا بحاستهم البيانية إعجازه فوجد تياره الكهربائي موضعا في نفوسهم لشرارة ناره أو لهطول غيثه وانبلاج أنواره

تأثيره في أعدائه

أما أعداؤه المشركين فقد ثبت أنه جذبهم إليه بقوته في مظاهر كثيرة نذكر بعضها على سبيل التمثيل

المظهر الأول أن هؤلاء المشركين مع حربهم له ونفورهم مما جاء به كانوا يخرجون من جنح الليل البهيم يستمعون إليه والمسلمون يرتلونه في بيوتهم فهل ذاك إلا لأنه استولى على مشاعرهم ولكن أبى عليهم عنادهم وكبرهم وكراهتهم للحق أن يؤمنوا به بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون

المظهر الثاني أن أئمة الكفر منهم كانوا يجتهدون في صد رسول الله عن قراءته في المسجد الحرام وفي مجامع العرب وأسواقهم وكذلك كانوا يمنعون المسلمين من إظهاره حتى لقد هالهم من أبي أبكر أن يصلي به في فناء داره وذلك لأن الأولاد والنساء كانوا يجتمعون عليه يستمتعون بلذة هذا الحديث ويتأثرون به ويهتزون له

المظهر الثالث أنهم ذعروا ذعرا شديدا من قوة تأثيره ونفوذه إلى النفوس على رغم صدهم عنه واضطهادهم لمن أذعن له فتواصوا على ألا يسمعوه وتعاقدوا على أن يلغوا فيه إذا سمعوه وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون

المظهر الرابع أن بعض شجعانهم وصناديدهم كان الواحد منهم يحمله طغيانه وكفره وتحمسه لموروثه على أن يخرج من بيته شاهرا سيفه معلنا غدره ناويا القضاء على دعوة القرآن ومن جاء بالقرآن فما يلبث حين تدركه لمحة من لمحات العناية وينصت إلى صوت القرآن في سورة أو آية أن يذل للحق ويخشع ويؤمن بالله ورسوله وكتابه ويخضع وإن أردت شاهدا على هذا فاستعرض قصة إسلام عمر وهي مشهورة أو فتأمل كيف أسلم سعد بن معاذ سيد قبيلة الأوس هو وابن أخيه أسيد بن حضير رضي الله عنهم أجمعين وإليك كلمة قصيرة عن إسلام سعد وأسيد فيها نقع كبير

تروي كتب السيرة أن رسول الله وهو في مكة قبل الهجرة أرسل مع أهل المدينة الذين جاؤوا وبايعوه بيعة العقبة مبعوثين جليلين يعلمانهم الإسلام وينشرانه في المدينة هما مصعب بن عمير وعبد الله بن أم مكتوم رضي الله عنهما وقد نجح هذان في مهمتهما أكثر نجاح وأحدثا في المدينة ثورة فكرية أو حركة تبشيرية جزع لها سعد بن معاذ سيد قبيلة الأوس حتى قال لابن أخيه أسيد بن حضير ألا تذهب إلى هذين الرجلين اللذين أتيا يسفهان ضعفاءنا فتزجرهما فلما انتهى إليهما أسيد قال لهما ما جاء بكما تسفهان ضعفاءنا ثم هددهما وقال اعتزلا إن كانت لكما في أنفسكما حاجة رضي الله عن مصعب فقد تغاضى عن هذه التهديد وقال لأسيد في وقار المؤمن وثباته أو تجلس فتسمع فإن رضيت أمرا قبلته وإن كرهته كفننا عنك ما تكره ثم قرأ مصعب القرآن وأسيد يسمع فما قام من مجلسه حتى أسلم ثم كر راجعا إلى سعد فقال له والله ما رأيت بالرجلين بأسا فغضب سعد وذهب هو نفسه ثائرا مهتاجا فاستقبله مصعب بما استقبل به أسيدا وانتهى الأمر بإسلامه أيضا ثم كر راجعا فجمع قبيلته

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٤٩٨٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٤٩٨٥