تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالنوع الأول وهو ما استأثر الله بعلمه تلوح لنا فيه حكم خمس

أولاها رحمة الله بهذا الإنسان الضعيف الذي لا يطيق معرفة كل شيء وإذا كان الجبل حين تجلى له ربه جعله دكا وخر موسى صعقا فكيف لو تجلى سبحانه بذاته وحقائق صفاته للإنسان ومن هذا القبيل أخفى الله على الناس معرفة الساعة رحمة بهم كيلا يتكاسلوا ويقعدوا عن الاستعداد لها وكيلا يفتك بهم الخوف والهلع لو أدركوا بالتحديد شدة قربها منهم ولمثل هذا حجب الله عن العباد معرفة آجالهم ليعيشوا في بحبوحة من أعمارهم فسبحانه من إله حكيم رحمن رحيم

ثانيتها الابتلاء والاختبار أيؤمن البشر بالغيب ثقة بخبر الصادق أم لا فالذين اهتدوا يقولون آمنا وإن لم يعرفوا على التعيين والذين في قلوبهم زيع يكفرون به وهو الحق من ربهم ويتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة والخروج من الدين جملة

ثالثتها ما ذكره الفخر الرازي بقوله إن القرآن يشتمل على دعوة الخواص والعوام وطبائع العوام تنبوا في أكثر الأمور عن إدراك الحقائق فمن سمع من العوام في أول الأمر إثبات موجود ليس بجسم ولا متحيز ولا مشار إليه ظن أن هذا عدم ونفي محض فيقع في التعليل فكان الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ دالة على بعض ما يناسب ما تخيلوه وما توهموه ويكون ذلك مخلوطا بما يدل على الحق الصريح فالقسم الأول وهو الذي يخاطبون به في أول الأمر من باب المتشابه والقسم الثاني وهو الذي يكشف عن الحق الصريح هو المحكم اه وهذه الحكمة ظاهرة في متشابه الصفات

رابعتها إقامة دليل على عجز الإنسان وجهالته مهما عظم استعداده وغزر علمه وإقامة شاهد على قدرة الله الخارقة وأنه وحده هو الذي أحاط بكل شيء علما وأن الخلق جميعا لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وهناك لا يخضع العبد ويخشع ويطامن من كبريائه ويخنع ويقول ما قالت الملائكة بالأمس سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم

قال بعض العارفين العقل مبتلى باعتقاد أحقية المتشابه كابتلاء البدن بأداء العبادة كالحكيم إذا صنف كتابا أجمل فيه أحيانا ليكون موضع خضوع المتعلم لأستاذه وكالملك يتخذ علامة يمتاز بها من يطلعه على سره وقيل لو لم يبتل العقل الذي هو أشرف البدن لاستمر العالم في أبهة العلم على التمرد فبذلك يستأنس إلى التذلل بذل العبودية والمتشابه هو موضع خضوع العقول لبارئها استسلاما واعترافا بقصورها ولهذا ختم الآية يريد آية هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات بقوله وما يذكر إلا أولوا الألباب تعريضا للزائغين ومدحا للراسخين ويعني من لم يتذكر ويتعظ ويخالف هواه فليس من أولي العقول ومن ثم قال الراسخون في العلم ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب فخضعوا لباريهم لاستنزال العلم اللدني بعد أن استعاذوا به من الزيغ النفساني اه

خامستها ما ذكره الفخر الرازي أيضا بقوله لو كان أي القرآن كله محكما بالكلية لما كان مطابقا إلا لمذهب واحد وكان بصريحه مبطلا لجميع المذاهب المخالفة له وذلك منفر لأرباب المذاهب الأخرى عن النظر فيه أما وجود المتشابه والمحكم فيه فيطمع

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٤٨٦٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٤٨٦٠