أما بعد وفاته عليه الصلاة والسلام فقد أتم حفظ القرآن آلاف مؤلفة من الصحابة واشتهر بإقراء القرآن من بينهم سبعة عثمان وعلي وأبي بن كعب وأبو الدرداء وزيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود وأبو موسى الأشعري
كلهم جمعوا التنزيل بين حنايا صدورهم وأقرؤوه لكثير غيرهم
جازاهم الله أحسن الجزاء
آمين
ولعلك أيها القارىء الكريم لا تستكثر منا هذا المجهود الطويل في حديث أنس السابق فإن بعض الملاحدة قد أتخذ منه مثارا للطعن في تواتر القرآن
ومن وظيفتنا أن نرد المطاعن ونفحم الطاعن
فأردنا أن نشبع الكلام في هذا الموضوع عند هذه المناسبة أداء للواجب من ناحية ولنستغني عن إيراده في الشبهات الآتية من ناحية أخرى
ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز 22 الحج 40
جمع القرآن بمعنى كتابته في عهد رسول الله
قلنا إن همة الرسول وأصحابه كان متصرفة أول الأمر إلى جمع القرآن في القلوب بحفظه واستظهاره ضرورة أنه نبي أمي بعثه الله في الأميين
أضف إلى ذلك أن أدوات الكتابة لم تكن ميسورة لديهم في ذلك العهد
ومن هنا كان التعويل على الحفظ في الصدور يفوق التعويل على الحفظ بين السطور
على عادة العرب أيامئذ من جعل صفحات صدورهم وقلوبهم دواوين لأشعارهم وأنسابهم ومفاخرهم وأيامهم ولكن القرآن حظي بأوفى نصيب من عناية النبي وأصحابه فلم تصرفهم عنايتهم بحفظه واستظهاره عن عنايتهم بكتابته ونقشه ولكن بمقدار ما سمحت به وسائل الكتابة وأدواتها في عصرهم
فها هو ذا رسول الله قد اتخذ كتابا للوحي كلما نزل شيء من القرآن أمرهم بكتابته مبالغة في تسجيله وتقييده
وزيادة في التوثق والضبط والاحتياط في كتاب الله تعالى حتى تظاهر الكتابة الحفظ ويعاضد النقش اللفظ
وكان هؤلاء الكتاب من خيرة الصحابة فيهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاوية وأبان بن سعيد وخالد بن الوليد وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وثابت بن قيس وغيرهم
وكان يدلهم علىموضع المكتوب من سورته
ويكتبونه فيما يسهل عليهم من العسب واللخاف والرقاع وقطع الأديم وعظام الأكتاف والأضلاع
ثم يوضع المكتوب في بيت رسول الله
وهكذا انقضى العهد النبوي السعيد والقرآن مجموع على هذا النمط بيد أنه لم يكتب في صحف ولا في مصاحف
بل كتب منثورا كما سمعت بين الرقاع والعظام ونحوها مما ذكرنا
روي عن ابن عباس أنه قال كان رسول الله إذا نزلت عليه سورة دعا بعض من يكتب فقال ضعوا هذه السورة في الموضع الذي يذكر فيه كذا وكذا
وعن زيد بن ثابت قال كنا عند رسول الله نؤلف القرآن من الرقاع