ومن هنا نعلم أنه إذا وردت عبارتان في موضوع واحد إحداهما نص في السببية لنزول آية أو آيات والثانية ليست نصا في السببية لنزول تلك الآية أو الآيات هنالك نأخذ في السببية بما هو نص ونحمل الأخرى على أنها بيان لمدلول الآية لأن النص أقوى في الدلالة من المحتمل
مثال ذلك ما أخرجه مسلم عن جابر قال كانت اليهود تقول من أتى امرأة من دبرها في قبلها جاء الولد أحول فأنزل الله نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم وأتقوا الله وأعلموا أنكم ملقوه وبشر المؤمنين 2 البقرة 223 من سورة البقرة
وما أخرجه البخاري عن ابن عمر قال أنزلت نساؤكم حرث لكم في إتيان النساء في أدبارهن
فالمعول عليه في بيان السبب هو رواية جابر الأولى لأنها صريحة في الدلالة على السبب
وأما رواية ابن عمر فتحمل على أنها بيان لحكم إتيان النساء في أدبارهن وهو التحريم
استنباطا منه
أما إذا كان الاختلاف دائرا بين عبارتين أو عبارات ليس شيء منها نصا كأن يقول بعض المفسرين نزلت هذه الآية في كذا
ويقول الآخر نزلت في كذا ثم يذكر شيئا آخر غير ما ذكره الأول وكان اللفظ يتناولهما ولا قرينة تصرف إحداهما إلى السببية فإن الروايتين كلتيهما تحملان على بيان ما يتناوله من المدلولات
ولا وجه لحملهما على السبب
وأما إذا كان الاختلاف دائرا بين عبارتين أو عبارات كلها نص في السببية فهنا يتشعب الكلام
ولنفرده بعنوان
5 - تعدد الأسباب والنازل واحد
إذا جاءت روايتان في نازل واحد من القرآن وذكرت كل من الروايتين سببا صريحا غير ما تذكره الأخرى نظر فيهما
فإما أن تكون إحداهما صحيحة والأخرى غير صحيحة
وإما أن تكون كلتاهما صحيحة ولكن لإحداهما مرجح دون الأخرى
وإما أن تكون كلتاهما صحيحة ولا مرجح لإحداهما على الأخرى ولكن يمكن الأخذ بهما معا
وإما أن تكون كلتاهما صحيحة ولا مرجح ولا يمكن الأخذ بهما معا
فتلك صور أربع لكل منها حكم خاص نسوقه إليك
أما الصورة الأولى وهي ما صحت فيه إحدى الروايتين دون الأخرى فحكمها الاعتماد على الصحيحة في بيان السبب
ورد الأخرى غير الصحيحة