بالغزي، توفي في الخامسة والثلاثين من عمره وسن ابنه كامل لا يتجاوز تسعة أشهر.
نشأ كامل الغزي في كنف زوج أمه الذي أحسن رعايته، ولما بلغ سن الدراسة دخل الكتاب وما كاد يتم العاشرة حتى حفظ القرآن الكريم، ودخل بعد ذلك (المدرسة القرناصية) فتابع فيها دروسه الابتدائية والثانوية، وفيها حفظ أكثر من عشرين ألف بيت منها ألفية ابن مالك والشاطبية وعقود الجمان للسيوطي. ثم انتقل بعد ذلك إلى العلوم العالية فدرس التفسير والحديث النبوي والفقه على شيوخ وأعلام بلده مثل الشيخ محمد الحكيل والشيخ مصطفى الكردي.
اتصل كامل الغزي بأصدقاء أبيه ومعارفه، وبلغ إلى مجالس والي حلب آنذاك (محمد رشدي باشا الشرواني) فأعجب الوالي بذكائه ومعرفته وقربه إليه، ولما نُقل الوالي حاكماً للحجاز اصطحبه معه وجعله إماماً لتلك البلاد، فرأى الديار المقدسة وعرف بلاداً بعيدة واسعة فتفتح عقله وتنبه ذهنه، لكن مقامه هناك لم يطل لأكثر من ثمانية أشهر، لأن الوفاة أدركت ذلك الوالي الشرواني.
ولما رجع إلى حلب استأنف دراسته ودخل (المدرسة العثمانية) وظل فيها حتى سنة 1875، انقطع خلالها إلى طلب العلوم العقلية والنقلية، ثم تقلب في وظائف الدولة، فأصبح ترجماناً لمطبعة الولاية، ثم عضواً في محكمة التجارة، ثم عضواً في المجلس البلدي بحلب، وتولى رئاسة لجنة الآثار ورئاسة تحرير مجلتها، وكما تولى تحرير جريدة الفرات الرسمية والأسبوعية بحلب نحو عشرين عاماً.
ملّ الغزي الوظائف، فاستقال لتعاطي بعض الأعمال الخاصة وانصرف إلى التأليف، حيث أنشأ مؤلفاً ضخماً سماّه (نهر الذهب في تاريخ حلب) أنفق في سبيل جمعه وتأليفه سنوات طويلة من عمره. وقد جمع هذا المؤلف ألوان البحث عن تاريخ حلب في (صنائعها ومدارسها ومذاهبها وأديانها وعاداتها وحياتها الاجتماعية في مختلف أحيائها القديمة والحديثة) رسمها الغزي بريشته ووقف عليها بنفسه. وقال في مقدمته: (وبعد، فإني منذ زمن بعيد أعاني جمع هذا الكتاب، وأصرف على تأليفه من نقد عمري وجوهر مالي ما يستكثر مثله من أمثالي. وقد تتبعت من أجله العدد الكثير من الكتب التاريخية وغيرها، وتصفحت زهاء مائة مجلد من السجلات المحفوظة في المحكمة الشرعية، وتكبدت عناء زائداً في الإطلاع على دفاتر الدوائر الرسمية، وعلى ما هو مدخر في المكتبات الخيرية والأهلية من المجاميع والرقاع الخصوصية التي سطرها ذووها في بعض شؤون تاريخية ذات أهمية عظيمة في وقتها، فكنت لا أصل إلى ما يهمني أمره من هذه المواد إلا بعد عناء شديد ونفقة باهظة. وكنت في أثناء استقصائي أخبار الآثار أضطر في بعضها إلى تحمل مشاق الأسفار لأتمكن من الإطلاع على حقيقة حالها، وأكتب عنها كتابة تحقيق لا كتابة تقليد وتلفيق).
كما تلفت الغزي إلى الشعر العربية القديم، فجمع أشعار قومه من بلاد الشام وتناولهم بالدراسة، كما جمع أشعار القدماء، واجتلب المخطوطات النادرة، فقرأ شروح المتنبي ودواوين العباسيين، وانتهى إلى فهم عميق للشعر العربي واللغة العربية، لذلك اختاره المجمع العلمي عضواً فيه، ثم رئيساً لفرعه بحلب سنة 1921، وقد جعل هذا الفرع في قلب الأسواق الداخلية للمدينة، وجمع فيه مكتبة غنية، فكان الشيخ كامل الغزي