هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان». فهذه الأحاديث وغيرها مما صح إسناده للرسول من جعل ولاية الأمر لقريش، فإنها وردت بصيغة الإخبار، ولم يرد ولا حديث واحد بصيغة الأمر، وصيغة الإخبار وإن كانت تفيد الطلب، ولكنه لا يعتبر طلباً جازماً ما لم يقترن بقرينة تدل على التأكيد، ولم يقترن بأية قرينة تدل على التأكيد ولا في رواية صحيحة، فدل على أنه للندب لا للوجوب، فيكون شرط أفضلية، لا شرط انعقاد. وأما قوله في الحديث: «لا يعاديهم أحد إلا كبَّه الله» الحديث. فإنه معنىً آخر في النهي عن معاداتهم، وليس تأكيداً لقوله: «إن هذا الأمر في قريش»، فالحديث ينص على أن الأمر فيهم، وعلى النهي عن معاداتهم. وأيضاً فإن كلمة قريش اسم وليس صفة. ويقال له في اصطلاح علم الأصول لقب. ومفهوم الاسم أي مفهوم اللقب لا يعمل به مطلقاً، لأن الاسم أي اللقب لا مفهوم له، ولذلك فإن النص على قريش لا يعني أن لا يجعل في غير قريش. فقوله عليه السلام: «إن هذا الأمر في قريش»، «لا يزال هذا الأمر في قريش»، لا يعني أن هذا الأمر لا يصح أن يكون في غير قريش، ولا أنَّ كونه لا يزال فيهم أنه لا يصح أن يكون في غيرهم، بل هو فيهم، ويصح أن يكون في غيرهم، فيكون النص عليهم غير مانع من وجود غيرهم في الخلافة. فيكون على هذا شرط أفضلية، لا شرط انعقاد.
وأيضاً فقد أمَّرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رَواحة، وزيد بن حارثة، وأسامة بن زيد وجميعهم من غير قريش، فيكون الرسول قد أمَّرَ غير قريش. وكلمة هذا الأمر تعني ولاية الأمر، أي الحكم. وليست هي نصاً في الخلافة وحدها. فكون الرسول يولّي الحكم غير قريش دليل على أنه غير محصور فيهم، وغير ممنوع عن غيرهم، فتكون الأحاديث قد نصت على بعض من هم أهل للخلافة، للدلالة على أفضليتهم، لا على حصر الخلافة بهم، وعدم انعقادها لغيرهم.
وكذلك لا يشترط أن يكون الخليفة هاشمياً، أو علوياً. لما ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولّى الحكم غير بني هاشم، وغير بني علي، وأنه حين خرج إلى تبوك ولّى على المدينة محمد بن مسلمة، وهو ليس هاشمياً ولا علوياً. وكذلك ولّى اليمن معاذ بن جبل، وعمرو بن العاص وهما ليسا هاشميين، ولا علويين. وثبت بالدليل القاطع مبايعة المسلمين بالخلافة لأبي بكر وعمر وعثمان، ومبايعة عليٍّ رضي الله عنه لكل واحد منهم، مع أنهم لم يكونوا من بني هاشم، وسكوت جميع الصحابة على بيعتهم، ولم يُروَ عن أحد أنه أنكر بيعتهم، لأنهم ليسوا هاشميين، ولا علويين، فكان ذلك إجماعاً من الصحابة، بمن فيهم عليّ وابن عباس، وسائر بني هاشم على جواز أن يكون الخليفة غير هاشميّ ولا علويّ. أما الأحاديث الواردة في فضل سيدنا عليّ رضي الله عنه، وفي فضل آل البيت فإنها تدل على فضلهم، لا على أن شرط انعقاد الخلافة أن يكون الخليفة منهم.
ومن ذلك يتبين أنه لا يوجد أي دليل على وجود أي شرط لانعقاد الخلافة سوى الشروط السبعة السابقة، وما عداها على فرض صحة جميع النصوص التي وردت فيه، أو اندراجه تحت حكم صحت فيه النصوص فإنه يمكن أن يكون شرط أفضلية، لا شرط انعقاد، والمطلوب شرعاً هو شرط انعقاد الخلافة للخليفة حتى يكون خليفة. أما ما عدا ذلك فهو يقال للمسلمين حين يعرض عليهم المرشحون للخلافة ليختاروا