من استطاعت فتنته من المسلمين. وفي تلك الأجواء شرع النبي الكريم في طلب النصرة من أهل القوة بغية إيجاد قوة تسند الإسلام فتكون له حماية ووقاية وتمكيناً.
ويستفاد من ذلك الرفض النبوي المتكرر لتلك العروض، رغم حاجة الدعوة وحامليها الملحة لمن يؤويهم ويحميهم، أن النبي الكريم أراد تأسيس الدولة الإسلامية على منهج معين وضمن شكل معين باعتبارهما وحياً من الله تبارك وتعالى، وأنه لا خيار أمام العاملين لإقامة دولة الإسلام في وجوب التزامهما. ويظهر الثبات النبوي بشكلٍ جليٍ عندما طلب منه عمه أبو طالب مهادنة قريش وملاينتها، وأنه ما عاد قادراً على الصمود بوجه ضغوطهم، فرد الرسول الكريم عليه قائلاً (والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري ما تركت هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه). وكان النبي الكريم يدعو ولسنوات طويلة وفود الحجيج والقبائل للإسلام، فيبدأ هؤلاء وأولئك بالاشتراط عليه ومساومته على أمره، فيقول لهم (فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم).
وفي هذا السياق، تعتبر بيعة العقبة الثانية، التي انتقلت الدعوة الإسلامية بموجبها من مرحلة الاستضعاف إلى التمكين ومن محنة التعذيب والقهر إلى منحة النصر والظفر، أحد المفاصل المحورية في مسيرة النبي الكريم لإقامة الدولة الإسلامية، مضيئة بذلك جوانب مهمة في ذلك النظام الذي يريد الإسلام إقامته في واقع الحياة. فقد تحققت في تلك البيعة النصرة المطلوبة للدعوة النبوية على النحو الذي ينسجم تماماً مع مبتغاها، فتم عقد تلك البيعة، وانتقل النبي بموجبها مهاجراً من مكة إلى المدينة ليصبح حاكمها المطاع، مشكلاً بذلك الدولة الإسلامية الأولى.
وفي وقفة مع هذه البيعة نجد أن الأنصار قد فهموا بشكلٍ لا يرقى إليه أي شك أن النبي الكريم هو من سيكون الآمر الناهي في دولة المدينة، وأن نظام الحكم الذي يبتغي إقامته عليه الصلاة والسلام، له متطلبات وعليه التزامات تتعارض مع ما كان سائداً من عادات وأعراف ومواثيق، حيث أدركوا أن تلك البيعة تقتضي وضع الأنصار كافة إمكانياتهم ومقدراتهم بإمرة النبي الكريم، وأن الأمر كله رهنٌ بما سيشكله النبي من نظام يحل مكان النظام القبلي الذي كان يرفض أن يأتمر القوم بغير سيد منهم فكيف بمن هو قادم من خارج القوم، فضلاً عن أنه رجل مطاردٌ من قبل قومه، ولذلك فقد فكر الأنصار ملياً قبل أن ينجزوا البيعة وقال أبو الهيثم بن التيهان وهو أحد نقباء الأنصار (يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال حبالا، وإنا قاطعوها فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: بل الدم الدم والهدم الهدم أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم)، وفي هذا إشارة واضحة على استعدادهم لتقبل النظام الجديد وما سيبنى عليه من فسخ اتفاقاتهم السابقة مع عبد الله بن أبي بن سلول الذي كان اتُفِقَ على تتويجه ملكاً على المدينة وكذلك يعني دخول علاقاتهم مع قبائل اليهود المحيطة بالمدينة طوراً جديداً يخضع للنظام الجديد، وهو ما حصل بعد ذلك. وبمجرد أن وصل النبي الكريم أبواب المدينة في هجرته إليها خرج له مئات الأنصار مسلحين يستقبلونه، قائلين له وكان معه أبو بكر الصديق (أدخلا آمِنَينِ مطاعين).