تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

السيادة للشرع

فالقاعدة الأولى وهي كون السيادة للشرع لها واقع، وهو كلمة السيادة، ولها دليل، وهو الدليل على أنها للشرع وليست للأُمة. أما واقعها فهو أن هذه الكلمة اصطلاح غربي، ويراد بها الممارِس للإرادة والمسيّر لها، فالفرد إذا كان هو الذي يُسيّر إرادته، ويمارسها كانت سيادته له، وإن كانت إرادته يمارسها غيره ويُسيّرها، كان عبداً، والأُمة إذا كانت إرادتها، أي مجموع إرادة أفرادها مسيرة من قبلها، بواسطة أفراد منها، تعطيهم برضاها حق تسييرها، كانت سيدة نفسها، وإن كانت إرادتها مُسيّرة مِن قِبَل غيرها جبراً عنها كانت مستعبدة، ولهذا يقول النظام الديمقراطي: السيادة للشعب، أي هو الذي يمارس إرادته، ويقيم عنه من يشاء، ويعطيه حق تسيير إرادته. هذا هو واقع السيادة الذي يُراد تنزيل الحكم عليه. أما حكم هذه السيادة فهي أنها للشرع وليست للأُمة، فالذي يُسيّر إرادة الفرد شرعاً ليس الفرد نفسه كما يشاء، بل إرادة الفرد مُسيّرة بأوامر الله ونواهيه. وكذلك الأُمة ليست مُسيّرة بإرادتها تفعل ما تريد، بل هي مُسيّرة بأوامر الله ونواهيه. والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، ومعنى رده إلى الله والرسول هو رده إلى حكم الشرع. فالذي يتحكّم في الأُمة والفرد، ويُسيّر إرادة الأُمة والفرد، إنما هو ما جاء به الرسول. فالأُمة والفرد تخضع للشرع، ومِنْ هنا كانت السيادة للشرع، ولهذا فإن الخليفة لا يُبايَع من قِبَل الأُمة كأجير عندها لينفذ لها ما تريد، كما هي الحال في النظام (الديمقراطي)، وإنما يُبايَع الخليفة من الأُمة على كتاب الله وسنة رسوله، ليُنفِذَ كتاب الله وسنة رسوله، أي ليُنفِذ الشرع، لا ليُنفِذ ما يريده الناس، حتى لو خرج الناس الذين بايعوه عن الشرع قاتلهم حتى يرجعوا.

السلطان للأُمّة

وأما قاعدة السلطان للأُمة فمأخوذة من جعل الشرع نَصبَ الخليفة من قِبَل الأُمة، ومن جعل الخليفة يأخذ السلطان بهذه البيعة. أما جعل الشرع الخليفة ينصب من قِبَل الأُمة فواضح في أحاديث البيعة، روى مسلم عن عبادة بن الصامت قال: «بايعْنا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره»، وعن جرير بن عبد الله قال: «بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة وأن أنصح لكل مسلم»، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا يُكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل على فضل ماء بالطريق يمنع منه ابن السبيل، ورجل بايع إماماً لا يبايعه إلا لدنياه، إن أعطاه ما يريد وَفى له، وإلا لم يفِ له، ورجل يبايع رجلاً بسلعة بعد العصر فحلف بالله لقد أُعطي بها كذا وكذا فصدقه فأخذها ولم يُعط بها» رواه البخاري ومسلم. فالبيعة من قِبَل المسلمين للخليفة، وليست من قِبَل الخليفة للمسلمين، فهم الذين يبايعونه، أي يقيمونه حاكماً عليهم، وما حصل مع الخلفاء الراشدين أنهم إنما أخذوا البيعة من الأُمة، وما صاروا خلفاء إلا بواسطة بيعة الأُمة لهم. وأما جعل الخليفة يأخذ السلطان بهذه البيعة فواضح في أحاديث الطاعة، وفي أحاديث وحدة الخلافة،

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٤٥٧٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٤٥٧٦