تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما كونها زواجر فلانها تزجر النّاس عن فعل الذنوب وارتكاب الجرائم، وأما كونها جوابر فلأنها تجبر عقوبة الآخرة. فتسقط عن المسلم عقوبة الآخرة بعقوبة الدولة في الدنيا. والدليل على ذلك ما رواه البخاري عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: " كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس فقال: بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا ولا تزنوا، وقرأ هذه الآية كلها، فمن وفي منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله عليه إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه ". فهذا الحديث صريح في أن عقوبة الدنيا على ذنب معين، وهي عقوبة الدولة للمذنب، تسقط عنه عقوبة الآخرة، ومن أجل ذلك اعترف (ماعز) بالزنا فرجم حتى مات، واعترفت الغامدية بالزنا فرجمت حتى ماتت، واعترفت امرأة من جهينة بالزنا فرجمت حتى ماتت، وقال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم " فإن هؤلاء قد اعترفوا ليعاقبوا على الذنب من الدولة في الدنيا حتى تسقط عنهم عقوبة الآخرة، ولذلك تجد الغامدية تقول للرسول: " يا رسول الله طهرني ". وقد كان كثير من المسلمين يأتون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقرون بالجرائم التي ارتكبوها ليوقع عليهم الرسول الحد في الدنيا، حتى يسقط عنهم عذاب الله يوم القيامة، فيحتملون آلام الحد والقصاص في الدنيا، لأنّه أهون من عذاب الآخرة. وعليه فالعقوبات زواجر وجوابر.

وهذه العقوبات من الدولة على الذنوب والجرائم هي الطريقة الوحيدة لتنفيذ أوامر الله ونواهيه، فالله تعالى شرع الأحكام، وشرع أحكاماً أخرى لتنفيذها، وهي أحكام العقوبات، فأمر بالمحافظة على المال قال صلى الله عليه وسلم: " لا يحل مال امرئ مسلم إلاّ بطيب نفسه "، وقال: " إن دمائكم وأموالكم عليكم حرام " وشرع أحكام قطع اليد لتنفيذ أمر الله هذا، ونهى عن الزنا قال تعالى: ﴿ولا تقربوا الزنا﴾ وشرع أحكام الجلد والرجم لتنفيذ نهي الله هذا، وهكذا جميع الأوامر والنواهي جعل طريقة تنفيذها العقوبة على عدم التنفيذ من قبل الدولة، ومن هنا كانت طريقة تنفيذ أحكام الشرع عقوبة من لم ينفذها، أي عقوبة من خالفها بعقوبات محددة حددها، أو بجعله للحاكم تقدير عقوبتها.

=============

الأفعال التي يعاقب عليها

الأفعال التي يعاقب عليها هي ترك الفرض، وارتكاب الحرام، ومخالفة ما أصدرته الدولة من أوامر ونواه جازمة، وما عدا هذه الثلاثة فلا يعاقب على أي فعل. ذلك أن الأحكام الشرعية المتعلقة بأفعال العباد خمسة، هي الفرض وهو الواجب، والمندوب وهو السنة والنافلة، والمباح، والحرام وهو الحظر، والمكروه. والفرض هو طلب الفعل طلباً جازماً، والمندوب هو طلب الفعل طلباً غير جازم، والمباح هو التخيير بين الفعل والترك، والحرام هو طلب الترك طلباً جازماً، والمكروه هو طلب الترك طلباً غير جازم. والله سبحانه وتعالى إنما يعاقب على مخالفة طلب الفعل طلباً جازماً وعلى مخالفة طلب الترك طلباً جازماً، أي على مخالفة الأمر الجازم، والنهي الجازم، ولا يعاقب على غير ذلك، فتارك السنة لا عقاب عليه، وفاعل المكروه لا

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٤٤٦٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٤٤٦٣