وقد زاد مكانه رسوخاً في قلوب الحمويين ما يعرفونه من زهده، وإخلاصه، وصدق لهجته، وصلابته في كل ما يعتقد أنه الحق .. ثم مشاركته إياهم في مكافحة الاستعمار، وإلهابه المشاعر بحب الجهاد، لتطهير البلاد من أرجاسه، وإيثار الشهادة مع العزة على الحياة الخانعة الذليلة .. ولما نفذت الصليبية الجديدة مؤامراتها بتقسيم فلسطين .. كان في مقدمة العلماء والزعماء المثيرين للهمم، الشاحذين للعزائم .. وقد وطن نفسه على مرافقة أخيه الدكتور مصطفى السباعي لخوض غمرات الجهاد، لولا تشدد إخوانه في منعه من مغادرة حماة، يقيناً منهم أن بقاءه في قلب الجمهور أنفع للقضية من مشاركته في القتال.
ولقد وقف الشيخ نفسه وجهوده على توعية المسلمين بحقائق دينهم، ليل نهار، خطيباً ومدرساً ومناقشاً ومؤلفاً، لا يهادن أحداً في حق الإسلام، ولو كان أقرب الناس إليه وأعزهم عليه .. ولهذا كثرت ردوده حتى على أحبابه، وفي كتابه الضخم (ردود على أباطيل) سجل ناطق بهذه الحقيقة التي يستوي في معرفتها عنه القريب والبعيد. ولقد ظل زمناً ـ فيما أعلم ـ على خلاف مع أخيه الأستاذ عبد الغني لرأي شذبه عن المألوف في فهم العلماء لآية من كتاب الله، فأعرض عنه ولم يشفع به ما عرفه في هذا الأخ من أدب عال وأخلاق سامية ومن كرائم الحسنات اللاتي يذهبن السيئات.
الشيخ والتصوف:
بقي أن نحدث القارئ عن جانب آخر من حياة الصديق الفقيد، لا سبيل إلى إغفاله لأنه جزء لا يتجزأ من كيانه الأصيل. ذلك هو مسلكه الصوفي الذي جر عليه الكثير من العناء، وكلفه في مطلع شبابه ألوان العداء، من الأقرباء والأصدقاء.
لقد تلقى بوادر الصوفية الأولى منذ نشأته في ذلك البيت الذي كان الزهد والقناعة وسيلته إلى مجابهة الضنك الذي ينيخ عليه بكلاكله، وطبيعي أن التصوف القائم على الرضى بالمقسوم، ومعالجة الحرمان بالأذكار الواصلة بين الليل والنهار، أنجع الأسباب في التخفيف من أعباء الواقع، فكيف إذا كان رب هذا البيت من شيوخ الصوفية الذين يتأسى بهم السالكون! ..
فالصوفية الذاكرة الزاهدة الصابرة إذن هي أول المؤثرات التي واجهها أهل ذلك البيت، فلا غرابة أن تطبع نفس هذا الفتى، الملتهب المشاعر والفائض الذكاء، بصبغتها العميقة، فلا تكاد تزايله يوماً كاملاً من حياته.
وكما تأثرت نشأة الفقيد الأولى بالنزعة الصوفية، حدث أن تأثر بنقيضتها السلفية التي كان داعيتها خاله العلامة الصالح الشيخ سعيد الجابي رحمه الله، ونحن لا ندري مدى ذلك التأثر بتوجيهات خاله من حيث العمق والقناعة والالتزام، ولكننا نلمحه من خلال بعض كتاباته التي أشار بها إلى موقفه من كلتا الدعوتين، فنعلم أن تحوله إلى الصوفية كان أثناء دراسته في حلب، والظاهر أنه كان تحولاً عميقاً لم يلبث أن قطعه عن رفاقه السلفيين.
نماذج من أدب الفقيد
أيها الأخوان .. إن العالم يرقبكم، وينظر من قرب ومن بعد إلى هذا الصراع بين الحق والباطل بل إن رسول الله وأصحابه ينتظرون ما أنتم فاعلون بما خلفوا لكم من