تعبيره عن ألمه وهو يكتب إلى بعض شيوخه في الشام قائلاً: (ماذا يأمل طالب العلم الحقيقي في مصر وهو يرى المحرمات من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله! .. ) وحتى الأزهر لم يسترح قلبه إليه وهو يرى إلى شيوخ فيه (غير عاملين بالسنة، وليس عندهم شيء من الروحانية، وطلبة يحلقون لحاهم وشواربهم وكثير منهم لا يصلون).
وهذا ما أكرهه على العودة إلى حماة، ولكنه ما إن حل بين قومه حتى أحس بتغير الحياة كلها من حوله حتى أقرب الناس إليه قد جعلوا يقرعونه على تفويت تلك الفرصة التي لا تتاح إلا للمحظوظين .. مما اضطره للعودة في ليلة لم يودع فيها أحداً .. وكانت عودة موقفة لأن الشيخ صمم على قبول الأمر الواقع، فلم يلبث أن وجد أهلاً بأهل وشيوخاً بشيوخ، وجد فيهم الأنس الروحي، ووجدوا فيه الأخ الوفي .. وكان بين هؤلاء الإمام الشهيد حسن البنا الذي يقول عنه (إن المسلمين لم يروا مثل حسن البنا منذ مئات السنين .. كان لله بكليته بروحه وجسده، بقلبه وقالبه، بتصرفاته وتقلبه، وكان الله له واجتباه وجعله من سادات الشهداء الأبرار).
وفي الأزهر حصل على شهادة (العالمية) وأتبعها بتخصص القضاء، وعلى الرغم من توافر الفرص أمامه للالتحاق بالدراسات العليا مع رفيقه وزميل دراسته الشيخ مصطفى السباعي، أبى إلا اللحاق بمسقط رأسه لقناعته أن ليس وراء حاضره سوى الشهادات، وهو مستغن عنها بما لديه من العلم، وبمئات المصنفات التي يتلهف لمطالعتها ..
والحق .. لقد أثبت الشيخ تفوقه على الجم الغفير من حملة الشهادات العليا، وبخاصة في الفقه الحنفي الذي أعطاه كل طاقاته، حتى بات فيه المرجع المجمع عليه بين علماء الشام دون منازع ..
جهاد لا يفتر:
وبعودة الشيخ إلى حماة استأنف نشاطه في الخطابة المسجدية، وفي الدروس العامة، التي كان قد بدأها من قبل، وأقبل عليه طلبة العلم الشرعي يتلقفون معلوماته، ويقتبسون عنه مبادئ السلوك والأخلاق .. وما لبث إلا قليلاً حتى أحرز مودة الجميع وتقدير الكافة سواء في ذلك علماؤهم وشبابهم ونساؤهم وعامتهم.
وقد ضاعف من أثره ومن تقدير الكافة له ذلك الدأب الذي تميز به في خدمة العلم، فدروسه لم تنقطع قط سواء في المدرسة أو المسجد أو البيت، لا يكاد يفرغ من جانب حتى ينتقل إلى الآخر ولا يشغله عن ذلك شاغل إلا الأحوال الملزمة كالنوم والطعام والمرض، فإذا ما وجد فسحة بين هذه الأعمال لجأ إلى القلم ينشئ رداً، أو يجيب على استفتاء، أو يدبج رسالة، أو يراجع كتاباً .. هذا إلى امتيازه على الكثيرين من المشايخ والعاملين في خدمة الدعوة بأنه لم يقصر عطاءه على الناس ويهمل آله، بل جميع بين الحسنيين فكان له من تلاميذه الكثر أحسن الغراس التي شرعت تؤتي أكلها تحت عينيه، وكان له من أبنائه السبعة خير وارث لعلمه واجتهاده وفضائله، حتى امرأته لم يدخر وسعاً في تزويدها بكل ما ينفع النسوة المؤمنات من العلم النافع، فمجلسها حتى اليوم لا يخلو من توجيه إلى خير وإجابة على سؤال، بارك الله في حياتها ونفع بها وبهم.