كان ربعة بين الرجال، ممتلئ الجسم، أبيض أشقر، مع حمرة حلوة تشوب بياض خدّيه، أزرق العينين الحالمتين، أنيقاً في لباسه وهندامه، تعلو هامته عمامة مطرزة، كعمامتي أبيه وأخيه الكبير الشيخ أحمد، وهي عمامة التجار التي تكون على طربوش أحمر، تمييزاً لصاحبها من عمامة العلماء التي هي من شاش أبيض على طربوش أحمر.
وكان ظريفاً، صاحب نكتة، ضحكه ابتسام، فيه كثير من الاحتشام، وقد تفرض النكتة الباهرة ضحكة فيضحك حتى لتكاد عمامته تقع عن رأسه المزيّن بشعر أشقر، ويصير وجهه كقرص الشهد، بل ربما احلولى فكان أحلى وأحلى ..
وكان لطيفاً دمثاً، متواضعاً مع سائر الناس، ومعنا نحن طلابه وتلاميذه، تراه يجلس في (دار القلم) بدمشق على كرسيّ صغير من القش، يشرب الشاي مع أبناء صاحب الدار، وكانوا فتية صغاراً يمازحهم وينصحهم وكان قليل الكلام، عفيف اللسان، ويأمر أصدقاءه وتلاميذه وإخوانه بعفة اللسان، ويشتدّ على بعضهم ممن عُرف بسلاطة اللسان، وتجريح الأشخاص والهيئات، وكان يكره التدخين، ويتناءى عن المدخنين، وينصحهم بالإقلاع عنه، ولقد شهدته أكثر من مرة، مع أستاذين كريمين لي ينصحهما، ويشتد عليهما في النصح، من أجل ترك التدخين، ومن أجل بذاءة اللسان.
وكان كريماً، محباً للناس، عطوفاً على الفقراء والمساكين، وعلى الأرامل والأيتام، وقد استأثر حبّ النبيّ الكريم بمجامع قلبه، وكثيراً ما رآه في رؤاه، وعندما زار قبره الشريف، فاضت عيناه بالدموع الحرار الغزار، وأرتج عليه، فصار يتمتم وهو الكليم.
كان طلق المحيا واللسان، دؤوباً على طلب العلم، صابراً على استنباط الأحكام، وفهم ما يشكل على العلماء من أمثاله، متسامحاً مع المخالفين له في الرأي، ويتمتع بأسلوب تحليلي قائم على البرهان والدليل، وكان الكتاب جليسه وأنيسه حتى وفاته، وكان بعيداً عن الأضواء، ويؤثر عليها كتابه وأصدقاءه وتلاميذه وبيته، وكان يجيد السباحة، والرماية، وركوب الخيل، ويحب الصيد.
المعلم:
ذكرنا أن مدير مدرسة التجارة عيّنه معلماً فيها، مع أنه كان دون الثانية عشرة من العمر، ثم إن أباه الذي علّمه وخبره ثم وثق بعلمه، انتدبه لتعليم النحو، وهو في الخامسة عشرة، فدرّس تلاميذه عدداً من كتب النحو، مثل: الآجرومية للأزهري، وقطر الندى، وشذور الذهب لابن هشام، وشرح ألفية ابن مالك في النحو لابن عقيل.
ثم انتقل مدرساً للأدب في (معهد العلوم الشرعية الإسلامية) التابع للجمعية الغراء، وكنت واحداً من تلاميذه، وأفدت منه علماً وأدباً وأخلاقاً، ولي معه ذكريات حميمة، ما أحلاها من ذكريات، قد أنشرها في غير هذا المقام، فهو الذي رغبنا في الأدب، وحببنا باللغة العربية التي كان يعشقها كما يعشق دمشق، بل أكثر، وكان يوصينا باقتناء الكتب، ومنها كتب المنفلوطي التي تربيت أنا على أسلوبه في بداية حياتي الأدبية، وقد أوصانا بأن يكون (مختار الصحاح) في أيدينا وجيوبنا، ليصحبنا حيث نكون، نديم النظر في مفرداته، لنكوّن أسلوبنا الخاص، وليكون لنا معجمنا الخاص.