وكان يفتخر في كثير من المناسبات بدور والدته (حواء) وجدته (رقية) في تعليمه صغيراً، وهو ما يعكس المستوى العلمي الذي كانت عليه عائلته، خاصة نساءها اللواتي كن على مستوى عال من العلم والمعرفة.
ومن أشهر أساتذته الشيخ (جبريل) الذي قام بواجبه تجاه تلميذه مرتين: الأولى عندما قدم للشيخ علوماً مفيدة ساهمت في تكوين شخصيته العلمية والسياسية، والثانية عندما كان أول من بايعه على الجهاد في سبيل نشر الإسلام في تلك المنطقة، واعترف له بالولاية وعقد له الراية، وفي المقابل لم يكن (الشيخ) أقل سمواً من معلمه: فقد كان يردد بشكل دائم هذا البيت من الشعر:
إن قيل في بحسن الظن ما قيل
فموجة أنا من أمواج جبريلا
الدعوة في الأوساط الوثنية:
وفي وسط بيئة تسودها الأفكار والعادات والتقاليد الجاهلية، بدأ الشيخ عثمان بن فوديو عمله الشاق في الدعوة إلى الله، حيث كان المجتمع تحكمه مجموعة من الملوك والأمراء الذين يتطاحنون على حق السيادة، ويتنازعون على الأرض والأرزاق واستعباد الناس، فقد عرفت المناطق الإفريقية الواقعة جنوب الصحراء عصراً من عصور الملكية المطلقة، تميز بالصراعات التي أودت بحياة الكثير من أبنائها، بسبب سيادة الأفكار القبلية التي لا مجال معها للوحدة بين القبائل دون غالب أو مغلوب، بحيث تستمر حلقات الصراع القبلي دون توقف، مع ما يرافق ذلك من سيادة العقلية الحربية التي تضع شرائح كبيرة من المجتمع في دائرة الاستضعاف، وتحول دون التفكير في بناء وحدة تحت راية واحدة ولغة واحدة وأهداف واحدة، وبالتالي إنتاج حالة أكثر تقدماً مما كان موجوداً سابقاً، لا سيما أن هؤلاء الملوك كانوا على عقائد وثنية متخلفة، ما زالت بقاياها قائمة حتى أيامنا هذه عبر ما يسمى بالعقائد الأرواحية التقليدية.
فمن العادات التي كانت سائدة على سبيل المثال أنه كان لهؤلاء الملوك والسلاطين أماكن خاصة يؤمنون بضرورة تقديم الأضاحي البشرية لها مثل الغابات والصخور الكبيرة والبحر. معتقدين أن هذه العادات هي مصدر قوتهم، لا ينبغي التخلي عنها وإلا ضعفت شوكتهم وقلت أرزاقهم. كما كانوا يؤمنون كذلك بأن الحكم السياسي هو استمرار لإدارة الأسلاف التي يجسدها الملك الذي يستمد قوته من فرض إرادته على الناس من خلال ادعائه بوجود اتصال روحاني مع هؤلاء الأسلاف: الأمر الذي يبرر حكمه المطلق الذي لا مجال للخروج عنه.
ورغم أن الإسلام دخل هذه المنطقة منذ مئات السنين، إلا أنه لم يكن يتجاوز حدود الدعاية للسلاطين وتبرير تصرفاتهم من خلال وعاظهم والسحرة والمشعوذين، وإن كانت هناك بعض الممارسات الدينية كالعبادات وقراءة القرآن الكريم وتقبل العطاءات باعتبارها وسيلة لبلوغ الحوائج، ولعل بعض المسلمين كانوا يجدون في بضع الطرق الصوفية ملاذاً مشوهاً للتدين.
مرحلة الجهاد القولي: