تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الدين إذن مركوز في الفطرة:

﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ على أنفسهم أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [سورة الأعراف 7/ 172]

والعوامل التي توقظ الفطرة فتبعثها تبحث عن الله باقية ما بقى الإنسان في الأرض، لا تتغير مهما بلغ من علم الإنسان أو سيطرته على البيئة.

ومن أجل ذلك بقيت ظاهرة التدين قائمة خلال التاريخ البشرى كله، بصرف النظر عن هذا الجيل الممسوخ الذي دفعته عوامل معينة – معروفة – إلى مغالبة الفطرة والتبجح بإنكار وجود الله.

والذي ألغاه تعلم الإنسان وسيطرته على البيئة لم يكن هو الدين الصحيح إنما كان بعض انحرافات الجاهلية وتصوراتها الساذجة، فحين توهم البشر – في بعض جاهليتهم – إن المطر إله والريح إله والرعد إله والبرق إله، وأن وجه الأرض مملوء بالأرواح الشريرة التي يؤثر فيها السحر، أو حين توهموا – في طور آخر – أن بعض الحيوانات ألهة تعبد – كبقرة الهند والعجل أبيس في مصر الفرعونية وغيرها – أو حين توهموا في طور ثالث أن بعض الأجرام السمأوى ة ألهة كالشمس والقمر والنجوم .. كانت هذه كلها أوهاما ساذجة يمكن أن يمحوها العلم، أو يمحوها زيادة سيطرة الإنسان على البيئة.

أما الدين الصحيح – وهو عبادة الله الخالق وحده بلا شريك – فقد وجد منذ بدء البشرية وظل قائما إلى هذه الساعة، لم يؤثر فيه العلم ولا سيطرة الإنسان على البيئة، لأنه لم ينشأ من الجهل العارض أو العجز العارض كما يزعم التفسير المادى للتاريخ ومن لف لفه من الملحدين، إنما نشأ من حقيقة أزلية هي ووجود الله الخالق البارئ المصور، وكون الإنسان مخلوقا خلقه الله، وأودع في فطرته أن يتوجه لعبادة الله، وإن كان قد أودع في فطرته في الوقت ذاته قدرة على الاختيار بين طريق الهدى وطريق الضلال.

وفي عهود البشرية السحيقة حين كانت أقوام تعبد الأب، أو تعبد الطوطم، أو تعبد قوى الطبيعة، أو تعبد الأفلاك، أو تعبد الأصنام كان هناك مؤمنون يعبدون الله وحده بلا شريك، فيتقدمون إلى ه وحده بالعبادة والنسك، ويطبقون شريعته في واقع حياتهم.

فإذا كان نمو العلم ونمو سيطرة الإنسان على البيئة قمينا بأن يلغى أساطير الجاهليات المختلفة في أمر الدين، فليس من شأنه أن يلغى الدين ذاته، المركوز في الفطرة، الذي ينبثق حتى في الجاهلية المعاصرة الملحدة الكافرة، فيعلن صوت الفطرة رغم كل الحواجز التي تريد أن تخنق ذلك الصوت.

وأما كون الإقطاع والرأسمالية يستخدمان الدين مخدرا للجماهير لترضى بذل العبودية في الأرض طمعا في جنة الله في الأخرة، فتلك كانت حقيقة واقعة في الجاهلية الأوربية الحديثة، وقامت الكنيسة ذاتها بجزء من المؤامرة التي تهدف إلى تخدير الجماهير لكيلا يثورا على الظالمين ..

ولكن ما علاقة ذلك بحقيقة الدين؟

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٣٥١٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٣٥١٧