تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إلى الصيف، ومن الصيف إلى الخريف ومن الخريف إلى الشتاء ومن الشتاء إل الربيع، مع ما يصحب ذلك من اختلاف مستمر في الحرارة والبرودة والجفاف والرطوبة واخضرار الزرع وجفافه وإيناعه وإثماره ونضجه وسقوطه، واختلاف مستمر في نشاط الإنسان وأحواله بما يناسب الجو وأحواله والعمل وأحواله.

وهناك حركة الحياة والموت في الأحياء لا بوصفها " ظاهرة " ولكن بوصفها حركة تنتج عنها أحداث. هذا يولد وهذا يموت، وهذا يكون صغيرا فينمو، وصحيحا فيمرض أو مريضا فيصح. وهذا غنى فيفتقر أو فقير فيغنى. وتدول دول وتولد أخرى، وتحدث حروب وسلم، وهزيمة ونصر، ورفع في مكانة الناس وخفض، وتقدم وتأخر، وعز وذل ..

وتشد الأحداث انتباه الناس وتهزهم، فيروحون يتساءلون: هل هناك " رابط " بين الأحداث؟ وهل هناك " نظام "؟ أم إنها تحدث كيفما اتفق؟ وهل وراءها غاية أم يسير الوجود كله بلا هدف ولا غاية؟ وما الغاية إن اكن هناك؟ ومن صاحب الغاية؟ ومن يدبر الأحداث؟ ويهتدى الإنسان إلى الحقيقة، فيعلم أن مدبر الأحداث هو خالق الكون، وأنه يجرى الأحداث بمشيئته وقدره، وأن له حكمة من وراء ذلك يعلمها البشر أحيانا ويجهلونها أحيانا .. أو يضل فلا يعرف الغاية ولا يعرف الحكمة ويحسب الأمور تجرى خبط عشواء .. ولكنه في كل حالة يعلم أن هناك مشيئة تجرى بمقتضاها الأحداث ن وأنها ليست مشيئة البشر إنما مشيئة كائن أعلى من البشر، فيشعر نحوه بالرهبة وقد يشعر نحوه بالإجلال ..

ويتلقى حس الإنسان إيقاعات " ذاتية " دائمة من شعوره الدائم بالعجز .. يولد الطفل عاجزا تمام العجز لا يقدر على شئ .. ولولا رعاية الذين يحيطونه وإمدادهم له بالغذاء وقضاؤهم له حاجاته ما استطاع أن يعيش. رويدا رويدا يقدر على شئ من الحركة وهو محمول في حضن والديه أو المكلفين برعايته، حتى يستطيع في وقت من الأوقات أن يجلس مستقلا بعض الشئ. وفي اللحظة التي " يقدر " فيها على الجلوس يحس " بالعجز " عن المشى! ويجاهد حتى يتمكن أخيرا من الحبو على الأرض.

وفي اللحظة التي يقدر فيها على الحبو يحس بالرغبة في الوقوف والعجز عن تحقيق تلك الرغبة! وفي مرحلة تإلى ة يتمكن من الوقوف ولكنه يحاول المشى فيقع على الأرض ويحس بالعجز عن تحقيق ما يرى د .. وتمضى الأيام والسنون فيمشى ويجرى ويخرج إلى الطريق ويتعلم العلم ويحس " بالقدرة " على أشياء كثيرة لم يكن يقدر عليه ا من قبل ..

فهل تنقضى رغباته؟ وهل يكف عن الشعور بالعجز؟

كلا! إنه هكذا ركب في طبيعته .. كلما حقق حلما راح يشتاق جديدا، ولم يقنع بما وصل إلى تحقيقه بالفعل، حتى حين ركب الصاروخ ووصل إلى القمر ونزل على سطحه .. حتى حين سيطر على كثير من شئون البيئة من حوله ونظمها حسبما يرى د .. حتى حين اخترع من الآلات ما صار يحقق في جزء من الثانية ما كان يستغرق منه الساعات والأيام والشهور ولا يحكم تنفيذه .. حتى حين وصل إلى ذلك كله فهل رضيت نفسه، وقال: لقد حققت وجودى كاملا فما أرغب المزيد؟!

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٣٤٣٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٣٤٣٦