تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأن الطبيعة الإنسانية ناقصة كذلك، ولا سبيل إلى إصلاحها إلا بصرفها عن الاهتمام بالحياة الدنيا جملة، وصرف اهتمامها إلى اليوم الآخر كما المحنا في فصل " العلمانية "، وإنه بقدر ما ينصرف الإنسان عن هذا العالم والتفكير فيه – بالرهبانية – يكون أقرب إلى الصلاح، وأقرب إلى الفوز بملكوت الرب في العالم الآخر.

هذا اللون من التفكير صرف التفكير الأوربي عن النظر في شئون العالم الأرضي والكون المادي إلا في أضيق نطاق مستطاع. ففي أمور الحياة رضي الناس عامة – والمتدينون خاصة – بعيش الكفاف ولم يتطلعوا إلى زيادة الإنتاج أو تحسينه، لأن ذلك يخالف روح الدين، ومن ثم لم يسعوا إلى زيادة في العلم تمكنهم من زيادة الإنتاج أو تحسينه.

كذلك لم يهتموا بزيادة معلوماتهم عن الكون المادي من حولهم من فلك أو رياضيات أو كيمياء أو فيزياء .. إلخ، لأن الأمر – في حسهم – لا يستحق الاهتمام من ناحية، ولأن المعلومات التي تقدمها المصادر " الدينية ط عن هذا الكون فيها كفاية لهم من ناحية أخرى، ولم تكن تلك المعلومات تعدو أن الله خلق الأشياء على صورتها لحكمة هو يعلمها، ولغاية هو يرى ديها، وأن كل شئ يجري على النحو الذي أراده الله منذ الأزل بلا تغيير، وهذا في ذاته حق ولا شك، ولكنه لا يعطي التفسير التفصيلي لظواهر الكون المادي المحيط بالإنسان! ولا ما يحدث من التحول الدائم في الكون والحياة والإنسان!

عليه ذا النحو الضيق المغلق المحصور كان الفكر الأوروبي فيما يسمي – هناك – بالعصور الوسطي المظلمة، التي استمرت زهاء عشرة قرون، خيم فيها على أوروبا ظلام الجهل والانحسار والانحصار، في ظل الطغيان الكنيسي المتعدد الألوان المتشعب الأطراف.

فلما بدأت أوروبا في عصر النهضة نتيجة احتكاكها بالمسلمين في الحروب الصليبية من ناحية، والاتصال السلمي بمراكز العلم والثقافة في الاندلس والشمال الإفريقي وصقلية وغيرها، كان العقل الأوروبي في حالة تشوق عنيف لاستيراد حريته في العمل، أي حرية التفكير. ولكن، كما اتسمت فترة العصور الوسطي المظلمة بالتطرف في إلغاء دور العقل والحجر على حرية الفكر، كذلك اتسمت فترة النهضة وما بعدها التطرف في الجانب الآخر، جانب إعمال الفكر في كل شئ، سواء كان داخلا في مجال العقل اوغير داخل فيه، وإعمال " بحرية " لا تقبل القيد، سواء كان القيد مشروعا أوغير مشروع!

كان عصر" الإحياء " هو عصر العودة إلى الجاهلية الإغريقية بكل انحرافاتها .. مع زيادة انحراف جديد. هو النفور من الدين، ومحاولة إبعاده عن كل مجال من مجالات الحياة.

والحقيقة أن الحياة الأوروبية في تلك الفترة تستلزم نظرة فاحصة تفق على التيارات والعوامل المختلفة التي كانت تمور في كيانها، والتي تمخضت فيما بعد عن الصورة الحالية " للحضارة " الغربية.

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٣٣٩٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٣٣٩٠