تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فحيث يتجه العقل والتدبر والتأمل إلى الإيمان بأن الله واحد أحد، وانه لو كان في السماوات والأرض ألهه إلا الله لفسدتا .. تقول له الكنيسة إن الله ثلاثة، ثم تزيد الأمر تعقيدا فتقول له إن الثلاثة واحد والواحد ثلاثة، ثم تمنعه من المناقشة عن طريق الإرهاب.

وحيث يتجه العقل – بوسائل تفكيره – إلى الإيمان بأن الله الذي خلق كل شئ وقدره تقديرا هو في غني عن كل شريك لأنه (بيده ملكوت كل شئ) ولأنه يقول للشئ (كن فيكون) ومن ثم فهو الجدير بالعبادة وحدة .. تقول له الكنيسة إن هناك شريكا لله هو المسيح عيسي ابن مريم عليه السلام، هو إله مع الله، ومعبود كذلك مع الله ثم تمنعه من المناقشة وتتهمه بالمروق إن خالف ..

وحيث يتجه العقل – بمنطقة الذاتي – إلى الإيمان بأن الله ليس في حاجة إلى اتخاذ الولد – والخلق كلهم خلقه، خلقهم بمشيئته وهم عباد له – وليس من شأنه سبحانه أن يتخذ مالا حاجة له إلى اتخاذ، وهو المهيمن الذي يدبر أمر الوجود كله بمفرده، بلاكلفة عليه سبحانه ولا جهد ولا حاجة إلى معين .. تقول له الكنيسة إن الله ولدا، خلقه بمشيئته كما يخلق كل شئ بمشيئته ثم تبناه – سبحانه وتعإلى عن ذلك علوا كبيرا – ليضعه بعد ذلك على الصليب ويجرعه آلام الصلب، فيكفر بذلك عن خطيئة لم يرتكبها ذلك الإبن إنما أرتكبها آدم وحواء قبل ذلك بزمن لا يحصيه إلا الله! ثم تفرض عليه ذلك فرضا وتقول له هذه هي العقيدة .. ومن لم يعتقدها فقد حلت عليه لعنة السماء.

تلك هي المسلمات التي لا يمكن التسليم بها لأن العقل يملك كل دليل ينفيها، ولأنها لا تستند إلى شئ إلا قرارات المجامع المقدسة التي تبتدعها من عند نفسها وتزعم مجرد زعم أنها من عند الله، بينما الناس يرون رجال الدين في تلك المجامع يتناقشون ويتحاورون، ويختلفون فيما بينهم أشد الاختلاف، ثم يصدرون القرار من تفكيرهم الذاتي- ولو كان وحيا سمأوى ا لالتزموا به عقيدة ولم يجزلهم الاختلاف فيه – ثم يرون أسوأ من هذا أن الأقلية تصدر القرار أو تفرضه فرضا على الأكثرية ثم تطرد الأكثرية بالقوة كما حدث في مجمع خلقدونية .. ولا تطردهم من المجمع فحسب، بل تزعم كذلك أنها تطردهم من رحمة الله!

ومن أجل أن هذه المسلمات المزعومة لا يمكن للعقل التسليم بها فقد حظرت الكنيسة على العقل أن يفكر فهيا او يناقشها، وزعمت الناس أن التفكير فيها مناف للإيمان، وأن الموقف الصحيح للمؤمن هو التسليم بها بغير جدال، وتفويض الأمر فيها لا – لله! – بل " لقداسة " الباب ومن حوله من " كبار " رجال الدين!

وفي ظل الإرهاب الفكري الذي مارسته الكنيسة انكمش نشاط العقل الأوربي وانحصر في التسليم بما تمليه الكنيسة والمجامع المقدسة، ومحاولة التوفيق بينه وبين مقتضيات التفكير السليم، في مغالطات " فلسفية " هي أقرب إلى التلفيق منها إلى التوفيق!

ومن ناحية أخرى انصرف الفكر الأوربي عن النظر في هذا العالم وفي الحياة الدنيا بتأثير أخر من تأثيرات الدين الكنسي المحرف، فقد أوحت المسيحية المحرفة إلى الناس بأن هذه الدنيا لا سبيل إلى إصلاحها أو تقويم معوجها لأنها ناقصة بطبيعتها.

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٣٣٨٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٣٣٨٩