تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كأنها حتمية أو سنة مطردة: من شاء أن (يقب ّ) على السطح فليس له بد من أن يغازل أعتاب الوجهاء، أو يبش في وجه (قبضايات) القرن - الصحفيين والإعلاميين، رضي الله عنهم ومد ظلهم العالي - لعله أن يحصل له شيء من الانطلاق والتلميع و (البروزة).

أما من رزقوا الشمم، وعلو الهمم، وتقدير النفس، فإنهم يبقون معرضين عن السفاسف، طالبين للمعالي، متفرجين على ما يدور من عجائب وتناقضات، راصدين - في توتر - للتحولات في الأفهام التي باتت تقبل ما لم يكن مقبولاً، وتستبيح ما ليس يستباح بل ما لا يخطر ببال أحد أن يقترب منه.

ورحمة الله على القاضي الجرجاني الذي صرخ منذ وقت بعيد:

ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ولو عظموه في النفوس لعظما

ولكن أهانوه فهان .. ولطخوا محياه بالأطماع حتى تجهما

أأشقى به غرسًا .. وأجنيه ذلة؟! إذن فاتباع الجهل قد كان أحزما

ورحمة الله على البارودي فارس السيف والقلم الذي قال:

خلقت عيوفًا لا أرى لابن حرة عليّ يدا أغضي لها حين يغضب

إذا أنا لم أعط المكارم حقها فلا عزني خال .. ولا عزني أب

ومن اللآلئ الساكنة في قاع المولد الإعلامي والدعوي الأستاذ العالم المتواضع - أحسبه والله حسيبه - أنور الجندي .. الذي خسرته أمة لا إله إلا الله قبل أيام، ولم يزاحم أحدًا في محاضرة، ولا موقف فخر، ولم يزعج وسائل الإعلام كي تتابع أخباره، وتتحدث عن عنترياته وبطولاته منذ كان في (اللفة ّ).

رأيته مرة واحدة قبل عقد من السنين، حين ذهبت إليه في بيته بالطالبية، الجيزة، فلقيت رجلاً من النادرين، بسيطًا بساطة عاميّ خام، متواضعًا تواضع زاهدً، لينًا لين أب رحيم، واقعيًا لدرجة تدعو للأسى والغضب.

رأيت ويا سوء ما رأيت، بيته المتهالك في قلب (سوق الخضار) إي والله، ومن الصباح الباكر تقضّ مضجعه نداءات الباعة - عبر مكبرات الصوت - على ما لديهم من (الورور) والجبنة القديمة، واللحمة العجالي، والأمشاط والفلايات، والمناخل، والغرابيل (ولا تين ولا عنب زيك يا برشرمي)، فإذا هدأت ضجة الميكروفونات قليلاً، لم تهدأ مشاجرات ومناقرات جاراته، وكلامهن المنتقى، ولم ينقطع ضجيج (العيال) العفاريت، الذين يتقاذفون الكرة (صدة ردة) في عز نقرة الحر، والمتبادلين لما لذَّ وطاب من الألفاظ التي يحلو للعامة أن يتقاذفوا بها في غير شحناء ولا خصومة.

دخلت حيث يسكن، ومعي فريق للتصوير التليفزيوني بعد أن أنهكنا البحث، فقد كنا نظن أنه من ساكني الفيلات الفاخرة، أو القصور (المحندقة)، فإذا بنا نسأل المكوجي والجزار والجار فيقولون في استفهام: من أنور؟ لا نعرف أحدًا بهذا الاسم، وحين اهتدينا إلى بيته المتهالك، لم نجد مكانًا عرضه متر × متر، يصلح لأن نجلس به، بسبب قدم المكان، وكثرة الكتب التي زحفت إلى كراسي غرفة الاستقبال.

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٣٣٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٣٣٩