وما نريد أن نتطرق لتقويم موقف تلك الفلسفة العقلانية من القضايا الأخرى غير قضية الألوهية فقد يكون لها توفيقاتها في بعض جوابها الفكر البشري، وقد تكون فائدتها الأساسية تنمية القدرة على إدراك الكليات التي تحكم الجزئيات، وتلك مباحث لا تبتغي في مثل بحثنا الحاضر .. ولكننا نشير إشارة موجزة هنا، نعود إلى تفصيلها فيما بعد، إلى أن هذه العقلانية تكاد تقف نفس الموقف من قضية أخرى لا تقل خطورة في حياة الناس عن قضية الألوهية، وهي قضية " منهج الحياة" الذي ينبغي أن يسير عليه البشر فقد تخطبت تلك " الفلسفة " في تلك المسألة من أقصى إلى مين إلى أقصى الشمال فضلا عن كونها حولتها إلى أحلام طوباوية أو ذهنية لا علاقة لها بواقع الحياة، ومن ثم لا أثر لها في واقع الحياة
من هذه الجاهلية انتقل الفكر الأوروبي إلى عصر " سيادة الدين "
وكان المفروض أن يخرج ذلك الفكر إذن من الجاهلية إلى النور، ولكنه في الحقيقة دخل إلى ظلمات حالكة ليس فيها حتى ذلك " البريق" الذي تيمزت به الفلسفة الإغريقية في كثير من المواضع بصرف النظر عن القيمة الحقيقة لذلك البريق، وعن كونه بريقا هاديا ام مضللا عن الطريق!
كان المفروض وقد التزم العقل بالوحي، واستمد منه إلى قين والهدي 0 - في المسائل التي لا يهتدي فيها وحده ولا يستيقن فيها بمفرده – أن ينطلق الفكر في ميادينه الأصلية يبدع وينتج، ويمد " الإنسان " بما يحتاج إلى ه في شئون " الخلافة " وعمارة الأرض
ولكن الكنيسة الأوروبية افسدت ذلك كله بما أدخلته من التحريف على الوحي الرباني المنزل من السماء لهداية البشرية على الأرض، وتخبطت في قضية الألوهية تخبطا من نوع جديد، حين قالت إن الله ثلاثة أقانيم، وإن المسيح ابن مريم عليه السلام واحد من هذه الأقانيم الثلاية، وإنه ابن الله وفي الوقت ذاته إله، وشريط لله في تدبير شئون الكون.
وفضلا عن ذلك – أو ربما بسبب ذلك – حجر على العقل البشري أن يعمل وأن يفكر
فإن هذه الألغاز التي ابتدعتها المجامع المقدسة في شأن الألوهية لم تكن " معقولة ط ولا مستساغة. فما يمكن للعقل البشري أن يتصور ثلاثة أشياء هي ثلاثة وهي واحد في ذات الوقت، وما يمكن أن يتصور أن الله سبحانه وتعإلى ظل متفردا بالألوهية وتدبير شأن هذا الكون مالا يحصي من الزمان، ثم إذا هو – فجأة- يوجد كائنا أخر ليكون شريكا له في الألوهية ومعينا له في تدبير الكون!!! تعإلى الله عن ذلك علو كبيرا
ومن أجل كون هذا العبث " المقدس "! " الذي ابتدعته المجامع " المقدسة "! وغير معقول ولا مستساغ، فقد سخرت الكنيسة " العقل " في محاولة إخراج هذا المزيج المتنافر المتناقض في صورة "فلسفية " مستساغة (أو هم قالوا عنها إنها مستساغة!) وفي الوقت ذاته حجرت على العقل أن يناقشها، لئلا تجر المناقشة إلى القول بأنها غير معقولة على الرغم من كل الصناعة " العقلية" التي وضعت فيها!
ومن ثم نشأت في الكفر الأوروبي تلك " المسلمات" أو العقائد المفروضة فرضا التي لا يجوز مناقشتها Dogmas ، لا لأنها – في حقيقتها – من الأمورالتي ينبغي للعقل