يناسب الآلة في رأي أرسطوا أن يبتدئ العمل في زمان لأنه أبدي سرمدي لا يطرأ عليه طارئ يدعوه إلى العمل، ولا يستجد عليه من جديد في وجوده المطلق بلا أول ولا آخر ولا جديد ولا قديم، وكل ما يناسب كماله فهو السعادة بنعمة بقائه التي لا بغية وراءها ولا نعمة فوقها ولا دونها، ولا تخرج عن نطاقها عناية تعنيه.
" فالآلة الكامل المطلق الكمال لا يعنيه أن يخلق العالم أو يخلق مادته الأولى وهي " الهيولي " .. ولكن هذه " الهيولي " قابلة للوجود يخرجها من القوة إلى الفعل شوقها إلى الوجود الذي يفيض عليه ا من قبل الآلة، فيدفعها هذا الشوق إلى الوجود، ثم يدفعها من النقص إلى الكمال المستطاع في حدودها، فتتحرك بما فيها من الشوق والقابلية، ولا يقال عنها إنها من خلقه الله إلا أن تكون الخلقة عليه ذا الاعتبار ..
ويعلق العقاد – بصدق – عليه ذا التصور فيقول:
" كمال مطلق لا يعمل ولا يرى د
" أو كمال مطلق يوشك أن يكون هو و العدم المطلق على حد سواء
والانحراف الثاني هو تحويل الموضوع كله إلى قضايا فلسفية ذهنية بحته، تبدأ في العقل وتنتهي في العقل، ويثبت ما يثبت منها وينفي ما ينفي بالعقل، فلا تمس الوجدان البشري، ولا تؤثر في سلوك الإنسان العملي، فتفقد قيمتها في واقع الحياة ..
إن موضوع الألوهية ليس موضوعا فلسفيا بالصورة التي تتناوله بها الفلسفة، إنما هو موضوع ط العقدية " والرق بين الفلسفة والعقيدة أن الفلسفة تخاطب الذهن وحده، تبدأ من هناك وتنتهي هناك .. ولا تتجاوز الذهن إلى الواقع الحي الذي يعيشه الإنسان في الأرض , أما العقيدة فتخاطب الكيان الإنساني كله / عقله وجسمه وروحه وكل شئ فيه. إنها لا تسكن كما تسكن الفكرة في الذهن، ولا تتحرك حول نفسها في الفراغ كما تتحرك الفكرة في الذهن أن تحركت، إنما هي دائما تدفع الإنسان إلى " سلوك " معين ينبثق منها ويتناسق معها، وإلى " حركة " معينة وجدانية وسلوكية وفكرية في عالم الواقع.
ومن ثم لم تكن الفلسفة قط من وسائل الهداية للبشرية! إن غاية ما يمكن أن تصل إلى ه هو نوع من المتعة العقلية عند هواة هذا اللون من المتعة، وهم بطبيعتهم محدودون ولكنها – وحدها – لم تنشئ قط أمة ولم تحرك أمة، والقليلون الذين يجدون فيها المتعة العقلية ينتهي بهم الأمر إلى هذا المتاع الذاتي ولا زيادة. أو أن تحركوا فلا تزيد حركتهم على محاولة إحداث هذه المتعة عند محموعة قليلة حولها. ولا زيادة إنها لا تهدف إلى إحداث " سلوك" معين في واقع حياة الناس، ولا تملك ذلك ونظرة سريعة إلى واقع المجتمع الإغريقي الذي عاش فيه أولئك الفلاسفة والمفكرين الكبار تبين هذه الحقيقة بوضوح، فما كانت هناك صلة على الإطلاق بين " أفكار " هؤلاء الفلاسفة " و " واقع " الناس هؤلاء يتكلمون في " الحكمة " وفي السلوك الإنساني " كما ينبغي أن يكون " والمجتمع غارق في كل أنواع الفسق والرذيلة والفساد والظلم ولا يعني نفسه بشئ مما يملأ " أذهان " أولئك المفكرين
أما العقيدة فلها شأن أخر