وكان أشد مايبدو فيه هذا الانحراف معالجة تلك الفلسفة " لقضية "الألوهية و " قضية " الكون المادي وما بينهما من علاقة ويتشعب هذا الانحراف شعبا كثيرة في وقت واحد.
فأول انحراف هو محاولة اقحام العقل فيما ليس من شأنه أن يلم به فضلا عن أن يحيط بكنهة في قضية الذات الآلة ية , فمن باب احترام العقل لذاته ومعرفته لطبيعة وحدود مقدرته، وما كان لهذا العقل أن يقتحم ميدانا ليس بطبيعته مؤهلا لاقتحامه، ولا قدرة له على الخوض فيه.
وإن المحدود لا يتسني له أن يحيط بغير المحدود، والفاني لا قدرة له على الإحاطة بحقيقة الأزل والأبد، حيث لا بداية ولا نهاية ولا حدود. إنما يستطيع العقل أن " يتصور " ذلك لونا من التصور، وأن يدرك أنه يمكن أن يوجد على هذه الصورة .. أما أن يحيط " بكنهة" على أي نحو من الانحاء فقضية أخرى خارجة عن نطاق العقل، وهي التي نقول إن احترام العقل لذاته ومعرفته لطبيعته وحدود مقدرته هي التي توجب عليه أن يتجنب الخوض فيها لأنه لن يصل فيها إلى شئ له اعتبار.
وليس معني هذا أن" الدين " كله أمر خارج عن نطاق العقل، أو أن الاعتقاد في وجود الله ومعرفة صفاته أمر لا نصيب فيه للعقل.
كلا .. إنما يدخل العقل إلى هذا الميدان من بابن الذي هو مؤهل بطبيعته ان يدخل منه، لا من الباب الذي لا يقدر على فتحه، والذي يضل فيه لو اقتحمه بغير أداتة! يدخل من باب إدارك أثارة القدرة الآلة ية والاستدلال من هذه الآثار على وجود الله، ومعرفة صفاته التي تفرد بها دون الخلق، ولكن لا يدخل من باب " الكنة " الذي لا يقدر عليه ولا يصل إلى نتيجة فيه
أرايت لو أنك أدخلت مفتاحا في قفل أكبر منه، فظل يدور في القفل ويدور دون أن يصل إلى فتحة، فهل تظل تقول إن هذا المفتاح صالح لكل شئ، ولا بد أن تفتح به جميع الأبواب، ولو بقيت الدهور تدير المفتاح في القفل فلا يفتح لك الباب؟! أم تتواضع أمام الأمر الواقع، وتقر بأن هذا المفتاح لا يصلح لذلك الباب، وتبحث له عن مفتاح أخر يناسبه، وتحتفظ بمفتاحك للباب الذي يحسن فتحه!
ليس العيب في القفل ولا في المفتاح! إنما العيب في إنك أنت تحاول أن تقتحم به باب لا يقدر على اقتحامه!.
وحين اصرت الفلسفة إلى ونانية – ومن تبعها بعد من فلاسفة النصاري وفلاسفة المسلمين – أن يقتحموا باب الكنة بمفتاح العقل فقد وصلوا جميعا إلى ذلك التخبط الذي يملأ كتب الفلسفة كلها من أول التاريخ إلى آخر التاريخ!
لا جرم أن تجد ارسطو، الذي يعتبره دارسو الفلسفة اعظم " عقل " في التاريخ القديم، يصف إلهه – بعقله – على هذه الصورة:
يقول " العقاد " في كتاب " حقائق الإسلام وأباطيل خصومه ":
" ومذهب أرسطو في الآلة أ، ه كائن أزلي أبدي مطلق الكمال لا أول له ولا أخر ولا عمل له ولا إرادة. منذ كان العلم طلبا لشئ والله غني عن كل طلب، وقد كانت الإرادة اختياربين أمرين، والله قد اجتمع عنده الأصلح والأفضل من كل كمال فلا حاجة به إلى الاختيار بين صالح وغير صالح ولا بين فاضل ومفضول وليس مما