وتنفذ من خلال ذلك مخططاتها التغريبية والاستعمارية التي كان هدفها العلمانية والتغريب ووسيلتها الثقافة والتعليم.
ففي عام (1263هـ/1847م) تشكلت تحت رعاية الإرساليات (التبشيرية) الأمريكية (جمعية العلوم والفنون)، ومن مؤسسيها بطرس البستاني وناصيف اليازجي ـ وكانا ماسونيين على صلة بهذه الإرساليات الأمريكية ـ وضمت أيضاً بعض (المبشرين) الأمريكيين من هذه الإرسالية، مثل: فان دايك، وإيلي سميث، وكان هدفها: نشر العلوم الغربية والدعاية لدول أوروبا! ولكن لم ينضم إلى هذه الجمعية خلال عامين سوى خمسين عضواً كلهم من نصارى الشام، وتعد هذه الجمعية البذرة الأولى للقومية العربية العلمانية.
وفي عام (1273هـ/1857م) ـ وهي السنة التالية لصدور منشور التنظيمات الخيرية العثماني الذي ساوى بين أصحاب جميع الديانات في الولايات العثمانية ـ حدث تطور مهم على النشاط التغريبي العلماني في الشام؛ فعلى إثر حل الجمعية السابقة ـ مع صنوتها الكاثولكية (الجمعية الشرقية) ـ تكونت بدلاً منهما جمعية أكبر باسم: (الجمعية العلمية السورية)، كانت غاياتها ووسائلها وقانونها وأنظمتها كلها على غرار جمعية العلوم والفنون أيضاً، ولكنها ضمت لأول مرة بين أعضائها الخمسين والمئة: دروزاً، ومسلمين، إضافة إلى النصارى من جميع الطوائف، كان يجمعهم اهتمامهم بتقدم البلاد على أساس (الوحدة الوطنية)، كما أن جميع أعضائها كانوا من العرب، ولذا: أصبح الرباط الذي يؤلف بينهم هو اعتزازهم بالتراث العربي.
ولم تأت سنة (1275هـ/1858م) إلا وكانت الإرسالية الأمريكية قد افتتحت أكثرمن ثلاثين مدرسة ودار طباعة تنشر مبادئها وثقافتها من خلالها.
وفي عام (1276هـ/1860م) حدثت فتنة كبرى بين الموارنة والدروز أَوقَفت ـ إلى حين ـ تصاعد المد القومي وحفزت في الوقت نفسه جهود الداعين إليه، وبعد هذه الفتنة أصدر بطرس البستاني صحيفة سياسية أسبوعية باسم (نفير سوريا)، «ودعا فيها إلى الاتحاد والتعاون بين أبناء الطوائف المختلفة، وإلى ضرورة فصل الدين عن الدولة، وإحلال الشعور القومي العربي مكان التعصب الطائفي» (2).
وفي عام (1281هـ/1862م) حدث تطور آخر مهم؛ إذ افتتحت (الكلية السورية الإنجيلية) في بيروت، التي عرفت فيما بعد باسم: (الجامعة الأمريكية) لتكون بديلاً محلياً عن البعثات الخارجية التي كانت لا تؤتي الثمار المطلوبة، ولتلعب دوراً كبيراً في مجريات الأحداث فيما بعد، حيث كانت معقلاً من معاقل الحركة القومية العلمانية وموئلاً ضم الداعين إلى العلمانية والتغريب في الشام.
وفي سنة 1863م (1282 هـ) أنشأ بطرس البستاني (المدرسة الوطنية) على أساس وطني لا ديني.
ثم في سنة (1285هـ/1868م) نالت الجمعية العلمية السورية اعتراف الحكومة بها، وفسحت المجال للاشتراك فيها حتى ضمت أعضاءً كثيرين بارزين من الذين كانوا يقطنون خارج البلاد، وخاصة في إستانبول والقاهرة، وتحسنت الصلات بين بعض الساسة من أوروبا وأعضاء فيها، وفي هذه الجمعية ظهر أول صوت يدعو بوضوح وصراحة لحركة القومية العربية، وذلك عندما ألقى إبراهيم بن ناصيف اليازجي على