حريصين على إنفاذ الحج وإقامة الموالد! وإظهار البهجة بأعياد المسلمين واحترام شعائرهم.
ثانياً: بدء تنحية الشريعة وإحلال بعض التنظيمات والدواوين (مجالس الشورى) مكانها، وقد أسندوا معظم الدواوين إلى أناس غير علماء بالشريعة، بل إن بعضها كان يرأسه نصارى؛ فمن ذلك ما يحكيه الجبرتي: «شرعوا في ترتيب ديوان آخر وسمَّوْه محكمة القضايا، وكتبوا في شأن ذلك طوماراً [أي: وثيقة] وشرطوا فيه شروطاً ورتبوا فيه ستة أنفار من النصارى القبط، وستة أنفار من تجار (!) المسلمين، وجعلوا قاضيه الكبير ملطي القبطي ... وفوضوا إليهم القضايا في أمور التجار والعامة والمواريث والدعاوى، وجعلوا لذلك الديوان قواعد وأركاناً من البدع السيئة ... » (1)، بل وصل الأمر إلى حد مناقشة النصارى الأقباط والفرنج للمشايخ في مدى صلاحية أحكام شرعية منصوص عليها في القرآن ومقارنتها بقوانينهم (2).
ثالثاً: التوجه إلى تهميش القوى الإسلامية المناهضة للتبعية للغرب وتنحيتها، الذي تطور بعد ذلك إلى محاربة تلك القوى، كما وضح التوجه إلى تدجين بعض المشايخ واستمالة أصحاب النفوذ والتأثير بشد وثاق متين بينهم وبين الغرب وإدخالهم في نطاق التبعية لفرنسا، ومن الحوادث ذات الدلالة على ذلك: محاولة نابليون تقليد شيخ الأزهر ـ باعتباره رئيساً للديوان ـ وشاحاً يحمل ألوان علم فرنسا ورَفْض شيخ الأزهر لذلك ... (3).
ومنذ ذلك الحين يحرصون على ألا يرقى الرئاسة إلا من يضع على صدره وسام الرضى الغربي!.
رابعاً: في مقابل ذلك: ظهر التوجه الواضح إلى إبراز دور النصارى والأقليات الدينية الأخرى وإعلاء قدرهم وإشراكهم في مراكز التأثير واتخاذ القرار بصورة ملحوظة، وأحداث الحملة الفرنسية زاخرة بالدلالة على ذلك (4).
خامساً: كما أشاعوا الفجور والتحلل الأخلاقي بواسطة نسائهم وبغاياهم، وشجعوا الفسقة وضعاف النفوس من المسلمين على الخوض فيه والتبجح به، وكان واضحاً حرصهم على إخراج المرأة المسلمة من إطارها المعتاد (5).
سادساً: تدشين عهد النبش في الحضارات القديمة السابقة على الإسلام، وإثارة النعرات الوطنية وروح الفخر بهذا الماضي الوثني، مع عد المسلمين ضمن الغزاة لمصر؛ فمن ذلك قولهم في أحد المنشورات الموجهة إلى الشعب المصري: « ... وإن العلوم والصنائع والقراءة والكتابة التي يعرفها الناس في الدنيا أُخذت عن أجداد أهل مصر الأُوَل، ولكون قطر مصر بهذه الصفات طمعت الأمم في تملكه، فملكه أهل بابل وملكه اليونانيون والعرب والترك الآن ... » (6)، وهذا أحد أسباب بذل جهودهم المعروفة في التنقيب عن الآثار الفرعونية وإبرازها والاهتمام بها، ومن ضمن هذه الجهود تأسيس معهد الآثار الفرعونية.
سابعاً: ظهور الحملة الفرنسية بمظهر الدولة الحديثة من تنظيمات إدارية وعسكرية وعمران مدني، بل بمظهر الحرص على الرحمة والعدل بين الناس في بعض الأحيان، تلك المظاهر التي بَعُد عهد المسلمين بها في عهود تخلفهم وانحطاطهم، ففوجئوا بها تأتيهم على يد (الكفار) (7).