تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الشعوب التي ذهبوا لقتالها أو عن تسليحها)»، ثم يقول: «وهكذا حاول الفرنسيون أن يتعرفوا أخلاق العرب والشرقيين وعاداتهم وتقاليدهم وما لهم من معارف وثقافات ... ولهذا اتجه الغربيون عامة والفرنسيون خاصة إلى جمع أعداد من المخطوطات ... وقد جُنِّد لهذا الغرض رهبان ومبشرون وتجار وجواسيس ودبلوماسيون وسفراء في العالم العربي والإسلامي ورحَّالة وسواح ومستعربون، كُلِّفوا خصيصاً بهذا العمل» (2).

ففي أرض مصر إذن بدأ المخطط يدور في رأس لويس التاسع ملك فرنسا، وبعد أكثر من 500 عام، وعلى ثغر الإسكندرية من أرض مصر أيضاً نزل القائد الفرنسي نابليون بونابرت يُنفِّذ الحملة الفرنسية (علمانية العقل صليبية القلب) على العالم الإسلامي سنة (1213هـ/1798م).

لم تستغرق هذه الحملة عسكرياً أكثر من ثلاث سنوات، ولكنها خلفت وراءها زلزالاً كبيراً كانت أعدت له عدته، وكانت أحوال المسلمين مهيأة له؛ وأهم ملامح هذا الزلزال ما يلي:

أولاً: أنها ابتدئت بالتلبيس بادعاء تحلي نابليون وجنوده بحُلَّة الإسلام والمبادئ والأهداف السامية؛ فقد كان أول منشور لنابليون متصدراً بما يلي: «بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله لا ولد له ولا شريك له في ملكه»، وفيه أيضاً: «يا أيها المصريون، قد قيل لكم إنني ما نزلت بهذا الطرف إلا بقصد إزالة دينكم؛ فذلك كذب صريح فلا تصدقوه، وقولوا للمفترين: إنني ما قَدِمْت إليكم إلا لأخلِّص حقكم من يد الظالمين، وإنني أكثر من المماليك أعبد الله ـ سبحانه وتعالى ـ وأحترم نبيه والقرآن العظيم، وقولوا أيضاً لهم: إن جميع الناس متساوون عند الله، وإن الشيء الذي يفرقهم عن بعضهم هو (العقل) و (الفضائل) و (العلوم) فقط (!!) ... أيها المشايخ والقضاة والأئمة ... قولوا لأمتكم إن الفرنساوية هم أيضاً مسلمون مخلصون، وإثبات ذلك أنهم قد نزلوا في رومية الكبرى وخرَّبوا كرسي البابا ... » (3).

لقد كان هذا الأسلوب خطاً ثابتاً في سياسة نابليون أينما حل؛ فقد كان يحرص في مثل هذه المسائل أن يستعمل دواءً من جنس الداء!، ولما كان نابليون يُشخِّص داء الشعب المصري في تدينه؛ حيث إن «الأفكار الدينية كانت على الدوام مسيطرة على الشعب المصري في شتى العصور» ... كان دواء هذا الداء عند نابليون هو استخدام «لقاح ضد الدين»، فسياسة نابليون كانت قائمة على (ترويض) الدين لا مقاومته (4)، وهذه السياسة ذات أبعاد خطيرة، وسيكون لها أثرها الذي لا يستهان به في آلية إدخال العلمانية والتغريب إلى العالم الإسلامي.

ولكنا نشير هنا إلى الثغرة التي حاول نابليون ورجال حملته استغلالها لاختراق الفكر والشعور الإسلامي، ألا وهي الفكر الإرجائي؛ إذ يبدو أن نابليون وقواده ـ وخاصة ساعده الأيمن (فينتور دي بارادي) الذي قضى أربعين سنة يتجول في العالم الإسلامي قبل أن يلتحق بالحملة (5) ـ كانوا يدركون جيداً تأثير الفكر الإرجائي على مشاعر المسلمين ومواقفهم؛ ولذا: كانوا يستغلون رصيد انفصال القول (أو الشعارات) عن العمل بمهارة واطمئنان، وقد كانوا أيضاً ـ امتداداً لهذه السياسة ـ

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٣٢٩٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٣٢٩٢