المنحرف بروح الإنكار، ويدعو إلى الارتفاع عنه، والآخر يعطيه شرعية الوجود فتكون النتيجة الحتمية – دائما – مزيدا من الهبوط!
نموذج الواقعية الهادفة هو سورة يوسف فى القرآن الكريم:
﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتْ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24)﴾ [سورة يوسف 12/ 23 - 24]
﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَقَالَتْ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ (31) قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (32)﴾ [سورة يوسف 12/ 31 - 32]
ولكن هذه ليست اللقطة الأخيرة .. إنما اللقطة الأخيرة هى الأوبة والتوبة والترفع والارتفاع:
﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتْ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ (51) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52) وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (53)﴾ [سورة يوسف 12/ 51 - 53]
ونموذج الواقعية الهابطة هو الأدب الذى يدعى الواقعية وهو فى الواقع يدعو إلى الهبوط! وهبه صادقا فى ادعاء الواقعية فلماذا يصر على التقاط اللحظات الهابطة وحدها ويتجنب لحظات الارتفاع؟! ثم لماذا لا يسمى الهبوط باسمه الحقيقى وهو الهبوط؟!
ثم .. تبعثرت الاتجاهات الفنية فى الفترة الأخيرة .. ولكنها حافظت على طابع واحد .. هو الهبوط!
من السريالية إلى الوجودية إلى اللامعقول .. إلى أدب الجنس المكشوف ..
أما السريالية فقد تتبعت التلحيل النفسى الذى أنشأه فرويد وقال فيه إن حقيقة النفس الإنسانية ليست فى النفس الواعية التى تتعامل مع الواقع الخارجى، إنما هى فى العقل الباطن الذى لا ترتيب فيه ولا منطق! فحاولت فى نماذج أقرب إلى الخبل منها إلى العقل أن تبرز " حقيقة النفس الإنسانية "! فلم تصنع شيئا فى الحقيقة إلا بعثرة هذه النفس إلى قطع متناثرة لا دلالة لها ولا معنى ولا طعم.
وأما اللامعقول فقد كان هروبا من " المعقول " هروبا من العقلانية التى طغت على الفكر والحياة الأوروبية، ومحاولة للقول بأن الحياة ليست معقولة .. ليس لها هدف .. ليس لها نظام .. ليس لها منطق .. ليس لها غاية .. إنما تحدث فيها الأحداث لمجرد الحدوث! وحين تحدث فإنه يكون لها ثقل " الواقع ". ولكن حدوثها وعدم حدوثها سيان! وحدوثها على هذه الصورة وحدوثها على صورة أخرى سيان! لأن كل الصور تتساوى فى عدم المعقولية وفى الافتقار إلى معنى واضح وغاية واضحة.