حين ترتكب المنكر وأنت شاعر بأنه منكر، فستقتصد فى ارتكابه فلا تلجأ إليه إلا تحت ضغط قاهر، وستقف فى ارتكابه عند الحد الذى ترى أنه لا يطيح بسمعتك كلها أمام الناس، وقد تحاول الرجوع عنه فى يوم من الأيام. أما حين يكتسب المنكر فى حسك الشرعية فلماذا تقتصد فى ارتكابه، ولماذا تقف عند حد من الحدود؟!
إنها هى ذاتها حكمة وقوع اللعنة على الذين لا يتناهون عن منكر فعلوه .. لأنهم لا يقفون فى ارتكاب المنكر عند حد معلوم.
وحقيقة إن كتاب " الأمير " الذى ألفه مكيافيللى وأعطى فيه الشرعية للوسائل الخسيسة التى يستخدمها الحاكم من كذب وغش وخديعة وقتل وسفك دماء. ز قد قوبل باستنكار عنيف وقت ظهوره، لأن أوروبا – كما أسلفنا – كانت نافرة من الدين منسلخة منه، ولكنها ما تزال تعترف " بالقيم "، وتحاول الحفاظ عليها، ولكن بشرط العثور على منبع آخر لها غير الدين .. ومن ثم ظهرت عدة نظريات تحاول أن تجعل للحكم " أخلاقا " ولكنها غير مستمدة من الدين، كما فعل جان جاك روسو فى حديثه عن نظرية العقد الاجتماعى وأوجست كومت فى فلسفته الوضعية ..
ولكن المنزلق " العلمانى " كان لابد أن يأخذ طريقه .. فمنذ استقلت السياسة عن الدين واستقلت عن الأخلاق المستمدة من معين الدين، لم يكن من الممكن أن تظل لها أخلاق!
والقرن – الجاهلى – العشرون خير نموذج لما نقول، فقد قامت فى هذا القرن أبشع دكتاتوريات التاريخ!
ونظرة إلى وقع ايام موسولينى وهتلر، وما وقع فى الدول الشيوعية منذ الثورة الشيوعية حتى اليوم، كفيلة بأن ترينا إلى أى مدى انحدرت السياسة " العلمانية " فى تبرير الوسيلة بالغاية، وكلتا الوسيلة والغاية ما أنزل الله بها من سلطان!
فى فاشية موسولينى ونازية هتلر كانت الغاية هى التجمع القومى والعزة القومية وإحلال قومية كل منهما مكانها " تحت الشمس "!
وفى سبيل هذه الغاية (التى قد تكون مشروعة فى ذاتها إذا خلت من العدوان على الآخرين) استباح كل من الرجلين أن يقتل ألوفا ومئات الألوف من المعارضين باسم " حركات التطهير " و" وحدة الصف " و" القضاء على الثورة المضادة " و" القضاء على الطابور الخامس " وما أشبه ذلك من التعلات. وفتحت معسكرات التعذيب، وذاق الشعب كله ويلات الجاسوية والإرهاب.
وفى التورة الشيوعية كانت الغاية إزالة الظلم (!!) الذى يقع على الناس من جراء الملكية الفردية والصراع الطبقى واستئثار الطبقة المالكة بالحكم والسلطان والمنافع على سحاب الطبقة الكادحة! وقد مر بنا فى فصل الشيوعية وصف العدل (!) الذى طبقته الشيوعية، والوسائل النبيلة (!) التى طبقت بها ذلك العدل، ومن بينها ذبح ثلاثة ملايين ونصف مليون من المسلمين فى عهد رجل واحد .. وإخضاع الشعب كله لألوان من الإرهاب نادرة فى التاريخ!
أما الديمقراطية اللبيرالية الرأسمالية فهى التى تبيح احتراف المعارضة واحتراف التأييد بحسب موضع كل حزب منا لحكم: هل هو بداخله أم خارجه، بصرف النظر عن الحق والعدل والمصلحة الوطنية أو القومية .. وتبيح الكذب من الساسة على