العقد الاجتماعى القائلة بأن كل سلطة مدنية ترتكز فى أساسها على الشعب، وأن الشعب قد حولها إلى الحاكم ليمكنه من القيام ببعض الوظائف الضرورية. ومن الواضح أنها نظرية ذات حدين .. فقد تفسر لتأكيد سلطة الحاكم الشاملة باعتباره مصدر جميع السلطات، أو لتأكيد سيادة الشعب الأساسية باعتباره المصدر الأخير لتلك السلطة .. "
وكان " مكيافيللى " و" هوبز " من أشهر المدافعين عن الحق الالهى المقدس، وعن استبدادية الحكام.
ويهمنا مكيافيللىهنا أكثر، لأنه علم على اتجاه معين فى السياسة الأوروبية نلحظ آثاره بشدة فى أوروبا العلمانية المعاصرة.
هناك حقيقة أكدناها مرارا أن الحكم بما أنزل الله لم تعرفه أوروبا المسيحية فى أى يوم من الأيام، وأن علمانية الحكم – بهذا المعنى – قائمة فى أوروبا منذ اعتنقت المسيحية. ولكن هذا لم ينف – كما بينا مرارا كذلك – أنه كان للكنيسة ورجالها نفوذ شخصى على الملوك والأمراء طيلة اجتماع السلطة الزمنية والسلطة الروحية فى يد الكنيسة. وفى تلك الفترة لم يكن الحكم دينيا بالمعنى الصحيح – وإن سمته أوروبا كذلك – لأنه لم يكن يحكم بما أنزل الله لا من قبل الملوك والأمراء ولا من قبل الكنيسة المسيطرة عليهم. ومع ذلك فقد كان هذا النفوذ الدينى الذى تمارسه الكنيسة على الحكام يلزم هؤلاء الحكام بشئ من " أخلاقيات " المسيحية رضوا أم كرهوا، عن إيمان حقيقى أم عن ملق للروح المسيحية ونفاق ..
وليس معنى ذلك أن الحكام التزموا دائما بتلك الأخلاقيات المسيحية، فكثيرا ما كانوا يخالفونها، ولكنهم كانوا يحسون بالحرج من مخالفتها، ويعتذرون دائما عن المخالفة بشتى المعاذير.
فالذى صنعه ميكافيلى هو تعرية " السياسة " من ذلك القناع الأخلاقى المستمد من الدين، وكشفها عارية من كل أثر لدين أو الأخلاق!
جاء يشرع الجريمة السياسية ويجعلها أصلا ينبغى للحكام أن يتبعوه! س
ولقد كان الحكام – إلا من رحم ربك – يسرون فى سياستهم على أساس أن الغاية تبرر الوسيلة، والغاية طبعا هى غايتهم هم! ولكنهم كانوا – حين يستخدمون الوسائل غير النظيفة لتحقيق غاياتهم غير النظيفة – يستترون وراء عبارات براقة تحوى كل نبيل منا لقيم والمبادئ والأخلاقيات، أما مكيافيللىفإن الجديد الذى أتى به – وهو خطير فى ذاته – أنه أعطى الوسائل الخسيسة فى السياسة شرعية صريحة لا مواربة فيها ولا إنكار.
ولقائل أن يقول: وماذا أضاف مكيافيللى من عنده إلى الواقع؟ ألم يكن الواقع خسيسا فى غاياته ووسائله؟ فكل ما فعل مكيافيللى أنه كان صريحا بالدرجة التى كشف بها القناع عن الواقع المزيف وجعله حقيقة واقعة!
نعم: ولكن الفارق – العملى – كبير! س
وقد لا يتضح الفرق فى البداية لأن البداية تكون مجرد مطابقة النظرية للواقع الموجود بالفعل. ولكن الفارق يتبين – ويزداد – مع التطبيق.