تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

، يفرضون على الملوك أن ينزلوا على إرادتهم على اعتبار أن إرادتهم من إرادة الله.

فقد بينا من قبل أن الفصل بين الدين والسياسة كان قائما من أول اعتناق الدولة الرومانية للمسيحية، إذ اعتنقتها عقيدة فقط، ولم تأخذ من الشريعة إلا ما يتعلق بالأحوال الشخصية، وبقيت الأمور الجنائية والأمور المدنية وعلاقة الحاكم بالمحكوم وغيرها من شؤون الحياة الواقعة يحكمها القانون الرومانى ولا تحكمها الشريعة المنزلة فى التوراة والمعدلة تعديلا جزئيا بالإنجيل:

﴿وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنْ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [سورة آل 3/ 50]

﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ (47)﴾ [سورة المائدة 5/ 47]

ولكن الكنيسة مع رضاها بهذا الأمر – المخالف لأمر الله – فى أيام ضعفها، لم تحاول فى أيام سلطانها وسطوتها أن تعود إلى الوضع الدينى الصحيح، فتلزم الملوك والأباطرة أن يحكموا بما أنزل الله، وهى تمارس عليهم من السلطان ملا يستطيعون معه مخالفتها أو الخروج على أمرها، بل استغلت سلطانها فى إخضاعهم لأهوائها الخاصة، بينما تركتهم يحكمون بغير ما أنزل الله وهى راضية عنهم كل الرضا ماداموا يخضعون لأوامرها، وهذا هو الذى تسميه أوروبا الحكم الدينى أو الثيوقراطى وما أبعده عن الدين!

صحيح أن إخضاع الكنيسة الملوك والأباطرة لأهوائها الذاتية كان يتم باسم الدين وتحت شعاراته، ولكن هذا لا يكفى لاعتباره حكما دينيا ما دام لا يحكم بما أنزل الله. ولكن الحس الأوروبى المضطرب يخلط بين الدين ورجال الدين نتيجة اتخاذ الأحبار والرهبان أربابا من دون الله، واعتبار أعمالهم وأقوالهم أعمالا دينية وأقوالا دينية ولو كانت بعيدة كل البعد عن حقيقة الدين!

مهما يكن من امر فقد استطاعت الكنيسة بنفوذها أن تجعل الملوك والأباطرة طوع إرادتها. وأعلن البابا " نقولا الأول " (858 – 867م) بيانا قال فيه:

" إن ابن الله أنشأ الكنيسة بأن جعل الرسول بطرس أول رئيس لها. وإن أساقفة روما ورثوا سلطات بطرس فى تسلسل مستمر متصل .. (ولذلك) فإن البابا ممثل الله على ظهر الأرض يجب أن تكون له السيادة العليا والسلطان الأعظم على جميع المسيحيين، حكاما كانوا أو محكومين ".

وأعلن البابا جريجورى السابع (تولى البابوية 1073 – 1085) " أن الكنيسة بوصفها نظاما إلهيا خليقة بأن تكون صاحبة السلطة العالمية، ومن حق البابا وواجبه – بصفته خليقة الله فى أرضه – أن يخلع الملوك غير الصالحين وأن يؤيد أو يرفض اختيار البشر للحكام أو تنصيبهم حسب مقتضيات الأحوال "

ولم يكن ذلك كلاما فى الهواء، إنما كان واقعا عاشته أوروبا عدة قرون ..

وابرز الأمثلة التى يرويها التاريخ الأوروبى ما حدث بين " جريجورى السابع " هذا والإمبراطور الألمانى " هنرى الرابع " مما أشرنا إليه من قبل، " إذ أن خلافا نشب بينهما حول مسألة " التعيينات " أو ما يسمى " التقليد العلمانى " فحاول الإمبراطور

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٣٢٦٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٣٢٦٣