وكانت الطامة العظمى هى الداروينية وإبعاد الإنسان ذاته من عالم الإنسان وإلحاقه بعالم الحيوان! فعندئذ لم تعد هناك حاجة إلى القيم أصلا .. لا الدين ولا الأخلاق ولا التقاليد المستمدة من الدين .. فما حاجة الإنسان إلى شئ من ذلك وهو عريق فى الحيوانية مستقر فى عالم الحيوان؟!
ثم أتى على الإنسان حين من الدهر لم يعد حتى حيوانا! بل هبط عن ذلك دركات فأصبح جزءا من عالم المادة الصماء!
لم نكن هنا نستعرض خطوات العلمانية بالتفصيل، فسيأتى شئ من ذلك فيما بعد حين نتحدث عن علمانية السياسة وعلمانية الاقتصاد والاجتماع والعلم والأخلاق والفن .. ولكنا أردنا فقط أن نلفت النظر إلى حقيقة واقعة هى استمرار " الإنسان " فى الهبوط كلما أمعن فى السير على الخط العلمانى.
وأيا تكن السباب التى أدت بأوروبا إلى العلمانية فهى كما قلنا من قبل تفسر العلمانية ولا تبررها، ولا تبرر بالطبع نتائجها التى أدت إليها، والتى بدأ المفكرون الغربيون أنفسهم يتنبهون إليها وينذرون نتائجها، ولكن دون أن يعرجوا على السبب الحقيقى ولا العلاج الحقيقى!
ولئن كانت الكنيسة هى المعتدية على الملوك والعلماء فى بادئ الأمر، مما أسفر عن العداء بين الدين والسياسة وبين الدين والعلم، فلم تكن هى المعتدية ولا المتسببة حين أقامت الثورة الصناعية اقتصادياتها على الربا ولجت فيه، وحين سقطت " الأخلاق " واحدا إثر الآخر ن حتى الأخلاق التى أقرها " المفكرون الأحرار " فى مبدأ عهدهم يناصبون الكنيسة العداء، ويبحثون عن مصدر آخر للقيم غير الدين!
إنما استمرأ القوم الفوضى الخلقية وأمعنوا فيها لا للدوافع القديمة التى دفعتهم للخروج على الدين أول مرة، وكلن لأن هذه هى طبيعة السير على المنزلق .. كل خطوة تصبح أشد هبوطا من السابقة .. وهذه طبيعة الحياة حين يكف الناس عن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر .. يزداد المنكر وينتفش ويستفحل حتى يصبح هو الأصل، أو حتى يصبح المعروف منكرا والمنكر معروفا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم .. ومن أجل ذلك لعن الذين كفروا من بنى إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم:
﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79)﴾ [سورة المائدة 5/ 78 - 79] ويجدر بنا الآن على أى حال أن نستعرض الصورة الراهنة للعلمانية فى أوروبا فى مجالات الحياة المختلفة، لا على أنها الصورة الأخيرة التى ستقف عندها! فهى لا تقف عند هذا الحد من السوء، وإن لم يكن فى وسع الخيال أن يتصور ما هو أسوأ، ولكن لنقيس المسافة بين الأصل الذى كان ينبغى وبين ما وصلت إليه الأمور حين قال الإنسان لنفسه: لقد شب الإنسان عن الطوق ولم يعد فى حاجة إلى وصاية الله!
(1) فى السياسة:
لم تكن السياسة من أول عهدها فى الإمبراطورية الرومانية محكومة بالشريعة المنزلة من عند الله، وإن وقعت لفترة من الوقت تحت سلطان البابوات ورجال الدين