تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الصحيح الذى تصلح به الحياة فى الأرض، وتستقيم به خطى البشر فى الحياة الدنيا " ".

ولكن أوروبا – بدافع العصبية الصليبية – أعرضت عن هذا الدين واتجهت إلى الجاهلية الإغريقية الرومانية، تنتقم بها من الكنيسة ودينها الفاسد الذى يهمل الحياة الدنيا ويلغى الوجود الإيجابى للإنسان.

وغذ كانت النهضة فى مجموعها " رد فعل " للكبت الواقع على " الإنسان " بفعل التصور الكنسى للدين، والممارسة الكنسية له، وإذ كان الغالب على ردود الفعل هو الاندفاع لا التعقل ولا التبصر ولا الروية ولا الاتزان .. فقد اندفعت أوروبا فى نهضتها تنزع من طريقها كل معلم من المعالم الإلهية (سواء كانت إلهية حقا أو مدعاة من قبل الكنيسة) وتضع مكانها معالم بشرية من صنع الإنسان، كما تنزع من طريقها كل ما يتصل بالآخرة لتضع بدلا منه ما يتصل بالحياة الدنيا .. وكانت هذه هى بداية " العلمانية " بالتعريف الأوروبى ..

? ... ? ... ?

لقد اصبح الطابع المميز للفكر الأوروبى منذ النهضة هو التمرد على الدين والتمرد على الله، وكان ذلك نابعا من تأثيرين فى آن واحد. التأثير الأول هو روح رد الفعل الذى قام ضد الدين والكنيسة، والثانى هو تأثير الجاهلية الإغريقية فى هذا الشأن بالذات.

فأما رد الفعل فقد أخذ صورة الخروج على كل ما كان سائدا من قبل فى فترة السيطرة الكنسية.

كان السائد هو ألا يفكر الإنسان لنفسه فى شئ من الأشياء إنما يأخذ الأفكار جاهزة من الكتب المقدسة وشروحها عن طريق رجال الدين، سواء كانت الأفكار متصلة بالعقيدة أو بأمر من أمور الدنيا، أو حتى أمور العلم كقضية شكل الأرض.

وغنى عن البيان أن هذا ليس الموقف الصحيح للإنسان فى ظل الدين الصحيح " " ولكن هكذا كانت الممارسة الدينية فى ظل الجاهلية الكنسية المنحرفة، والتى من جرائها كان لرجال الدين كل ذلك النفوذ على عقول الناس وأرواحهم، فهم الوسطاء بين الناس وبين الدين ومفاهيمه، بل هم الوسطاء بين الناس وبين الله، والناس – علماء أو غير علماء – لا يبحثون فى أى شأن من الشؤون ليكونوا فيه رأيا أو موقفا. إنما يسألون رجال الدين ليدلوهم على الرأى أو الموقف الذى ينبغى عليهم اتخاذه. هذا بالإضافة إلى أن الأمور التى يسألون عنها هى أولا وقبل كل شئ أمور " الخلاص ". الخلاص من أدران الحياة الدنيا للحصول على رضوان الله فى الآخرة.

وكان رد الفعل إن الإنسان هو الذى ينبغى أن يستشار فى الأمور كلها وليس الدين، وأن العقل البشرى هو الذى ينبغى أن يكون صاحب القرار وليس الله .. ولو كان الأمر متعلقا بالعقيدة أو الأمور الأخروية. وبمقدار ما كان العقل مكبوتا ومحجورا عليه، انطلق هذا العقل يريد أن يقتحم كل ميدان ولو كان خارجا عن اختصاصه! يقتحمه بروح أنه هو صاحب الحق الذى كان ممنوعا من حقه فهو يريد أن يؤكد هذا الحق. ويقتحمه بروح الشك، أو روح المحو لكل ما كان موجودا من قبل ولم

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٣٢٥٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٣٢٥٩