أى كيف أقصيت بقايا الدين من الحياة الأوروبية وصارت الحياة " لا دينية " تماما فى كل مجالاتها العملية؟
نحتاج أن نتذكر أولا أنه فى الوقت الذى لم يكن للدين الحقيقى وجود فى أوروبا – سواء فى صورة عقيدة صحيحة أو صورة شريعة حاكمة – كان هناك نفوذ ضخم جدا يمارس باسم الدين فى مجال العقيدة وفى مجالات الحياة العملية كلها من قبل رجال الدين، ويتمثل فى حس الناس هناك على أنه هو " الدين "!
أى أن الصورة الواقعية للدين فى أوروبا كانت تتمثل أولا فى عقيدة مأخوذة من " الأناجيل " وشروحها تقول إن الله ثالث ثلاث وإن الله هو المسيح ابن مريم، وتتمثل ثانيا فى صلوات وقداسات ومواعظ واحتفالات تقام فى الكنائس يوم الأحد بصفة خاصة، وتتمثل أخيرا – وليس آخرا – فى نفوذ لرجال الدين على الملوك وعلى عامة الناص، فأما نفوذهم على الملوك فيتضمن أنهم لا يجلسون على عروشهم إلا بإذن البابا ومباركته، ولا يتولون سلطانهم على شعوبهم إلا بتولية البابا لهم، وإذا غضب عليهم البابا – غضبا شخصيا لا علاقة له البتة بتحكيم شريعة الله – نبذتهم شعوبهم ولم تذعن لأوامرهم، وأما نفوذهم على عامة الناس فيتضمن أنهم لا يصبحون مسيحيين إلا بتعميد الكاهن لهم، وليس لهم صلاة إلا بحضور الكاهن أمامهم فى مكان محدد هو الكنيسة، ولا يموتون موتا صحيحا إلا بإقامة قداس الجنازة لهم على يد الكاهن، ولا يعتقدون إلا ما يلقنهم إياه رجال الدين من شئون العقيدة، ولا يفكرون إلا فيما يسمح لهم رجال الدين بالتفكير فيه، وعلى النحو الذى يسمحون لهم به، ولا يتعلمون إلا ما يسمح لهم رجال الدين تعلمه، ولرجال الدين فوق ذلك نفوذ على أموالهم وعلى أجسادهم وعلى أرواحهم أشرنا إلى جوانب منه من قبل.
هذا الدين – بهذه الصورة – مخالف للدين المنزل من عند الله فى أكثريته .. ولكنه ليس خلوا بالمرة من حقئاق الدين، وهذه شهادة الله فيهم:
﴿وَمِنْ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [سورة المائدة 5/ 14]
ففيه من حقائق الدين ان الله هو الذى خلق الكون كله، وهو الذى خلق الإنسان على هذه الصورة الإنسانية وجعله عاقلا مفكرا مريدا، وكلفه الأمانة، وكلفه عمارة الأرض والهيمنة عليها، وعرفه أن هناك بعثا ونشورا وحسابا وثوابا وعقابا يوم القيامة، وأن هناك جنة ونار أبديتين يصير الناس إليهما كل بحسب عمله، وفيه من حقائق الدين كذلك أن الله حرم القتل والسرة والزنا والربا والكذب والغش والخيانة .. وأوجب على الناس فى حياتهم أخلاقيات معينة يتقيدون بها فى تعاملهم بعضهم مع بعض، وأن الله شرع الزواج وحرم علاقات الجنس خارجه، وشرع الأسرة وأوجب صيانتها وجعل للرجل القوامة عليها .. إلى آخر ما يجرى هذا المجرى من حقائق الدين.
ولكن الدين المنزل من عند الله ليس فيه أن الله هو المسيح ابن مريم وأن الله ثالث ثلاثة، وليس فيه أن يشرع رجال الدين (الأحبار والرهبان) من عند أنفسهم فيحلوا ويحرموا بغير ما أنزل الله (كما أحلوا الخمر والخنزير وأبطلوا الختان) وليس فيه