بعد " ظاهرة " ملموسة. ومن هنا نقول إن الظروف التى أحاطت بالدين فى أوروبا تفسر ولا تبرر. . تفسر شرود الناس فى أوروبا عن الدين ولكنها لا تبرره .. فإنهن لا شئ على الإطلاق يبرر بعد الإنسان عن خالقه، ونبذه لعبادته على النحو الذى افترضه على عباده، سواء بالاعتقاد بوحدانيته سبحانه، أو بتوجيه الشعائر التعبدية إليه وحده، أو بتنفيذ شريعته، فهذا التصرف المنحرف من الإنسان الذى نبذ الذين وابتعد عن الله، هو الذى قال الله فيه: ﴿بَلْ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (15)﴾ [سورة القيامة 75/ 14 - 15] أى أنه لا يقبل منه عذر فيه!
على أن الذى يعنينا الآن ليس هو محاسبة أوروبا على انحرافاتها فى مجال الدين والعقيدة، فالخلق صائرون إلى ربهم وهو الذى يحاسبهم:
﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (22) إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (23) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ (24) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26)﴾ [سورة الغاشية 88/ 21 - 26]
ولكن الذى يعنينا هو شرح هذه الانحرافات وبيان الصورة التى حدثت عليها، والظروف التى أحاطت بها منذ مبدئها حتى صارت إلى ما صارت إليه.
ونخطئ – من وجهة نظرنا الإسلامية – إن قلنا إن " العلمانية " حدثت فقط بعد النهضة. فالحقيقة – من وجهة النظر الإسلامية – أن الفصل بين الدين والحياة وقع مبكرا جدا فى الحياة الأوروبية، أو أنه – إن شئت الدقة – قد وقع منذ بدء اعتناق أوروبا للمسيحية، لأن أوروبا – كما أسلفنا فى التمهيد – قد تلقت المسيحية عقيدة منفصلة عن الشريعة (بصرف النظر عما حدث فى العقيدة ذاتها من تحريف على أيدى الكنيسة) ولم تحكم الشريعة شيئا من حياة الناس فى أوربا إلا ط ألحوال الشخصية " فحسب، أى أنها لم تحكم الأحوال السياسية ولا الأحوال الاقتصادية ولا الأحوال الاجتماعية فى جملتها. وهذا الوضع هو علمانية كالة من وجهة النظر الإسلامية ولكن الذى تقصده أوروبا بالعمانية “ Secularism” ليس هذا، لأنها لم تألف الصورة الحقيقية للدين أبداء فى يوم من الأيام! إنما الذى تقصده أوروبا حين تطلق هذه الكلمة هو إبعاد ما فهمته هى من معنى الدين عن واقع الحياة، متمثلا فى " بعض " المفاهيم الدينية، وفى تدخل " رجال الدين " باسم الدين فى السياسية والاقتصاد والاجتماع والفكر والعلم والأدب والفن .. وكل مجالات الحياة، ثم إقامة هذا كله بعيدا عن نفوذ الكنيسة من جنة، وبعيدا عن مفاهيم الدين كلها من جهة أخرى، بصرف النظر عن وجود الكنيسة أو عدم وجودها.
بعبارة أخرى نقول إن ما نبذته أوروبا حين أقامت علمانيتها لم يكن هو حقيقية الدين – فهذه كانت منبوذة من أول لحظة! – إنما كان بقايا الدين المتناثرة فى بعض مجالات الحياة الأوروبية أو فى أفكار الناس ووجداناتهم فجاءت العلمانية فأقصت هذه البقايا إقصاء كاملا من الحياة، ولم تترك منها إلا حرية من أراد أن يعتقد بوجود إله يؤدى له شعائر التعبد فى أن يصنع ذلك على مسئوليته الخاصة، وفى مقابلها حرية من أراد الإلحاد والدعوة إليه أن يصنع ذلك بسند الدولة وضماناتها!
? ... ? ... ?
كيف نشأت هذه العلمانية فى أوروبا؟